ليبيا بين المأزق المالي والانسداد السياسي: تعتيم الشفافية ودعوات واشنطن
تتسارع التطورات في المشهد الليبي مع تداخل الأزمات الاقتصادية بالضغوط السياسية الدولية.
ففي الوقت الذي يدخل فيه القطاع المالي بالبلاد حالة غير مسبوقة من غياب الشفافية عقب توقف المصرف المركزي عن نشر بياناته الدورية، تتصاعد التحليلات الدولية المنددة بالوضع السياسي الراهن، داعية إلى تغييرات جذرية في السلطة التنفيذية لإنهاء حالة الانقسام.
1. مصرف ليبيا المركزي يوقف تقريره الشهري في "بلاك أوت" مالي
أثار توقف مصرف ليبيا المركزي عن إصدار بيان الإيراد والإنفاق العام الشهري موجة واسعة من القلق لدى الأوساط المالية والاقتصادية. وكان مصرف ليبيا المركزي يلتزم بشكل منتظم بنشر بيانات دورية تفصل إيرادات الدولة النفطية والسيادية وأبواب الإنفاق الحكومي المختلفة.
ولم يصدر عن المصرف المركزي بيان تفصيلي حديث منذ التقرير المدمج لشهري يناير وفبراير، وهو ما اعتبره مراقبون "بلاك أوت" (Blockout) مالي تعتيمياً حيث حُجبت المعلومات المتعلقة بأحجام الإنفاق الفعلي للمؤسسات والتطوّرات الأخيرة في مبيعات العملة الأجنبية، ومصير الفوائض أو العجز في الميزانية، مما يعيق قدرة المؤسسات الرقابية والجمهور على متابعة حركة التدفقات النقدية للدولة.
2. خبير اقتصادي: ليبيا تدخل مرحلة "إظلام مالي"
تعليقاً على هذا التوقف، حذر خبراء واقتصاديون من التبعات الجسيمة لشح البيانات؛ إذ صرّح عدد من الخبراء بأن البلاد دخلت رسمياً مرحلة "إظلام مالي تام" .
أبرز تداعيات الإظلام المالي وفق رؤية الخبراء:
▪ غياب الرقابة والمحاسبة: التعتيم على أرقام المصروفات يتيح بيئة خصبة للإنفاق الموازي وغير المعتمد دون متابعة من الأجهزة الرقابية.
▪ تفاقم أزمة السيول والعملة: ينعكس غياب البيانات الشفافة فوراً على ثقة السوق السوداء والقطاع المصرفي، مما يزيد من تذبذب سعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية.
▪ ضبابية التخطيط الاقتصادي: يتعذر على المؤسسات الاستثمارية والشركات وضع أي خطط مستقبلية في ظل انعدام المؤشرات الاقتصادية الموثوقة.
وأشار الخبراء إلى أن التقرير الشهري كان يمثل "آخر الشموع المضيئة" في مسار الإفصاح المالي، وأن إطفاءه يعود بالبلاد خطوات إلى الخلف في المعايير الدولية للإفصاح والشفافية.
3. تقرير أميركي يطالب برحيل الدبيبة لرفع عقبتين أمام وحدة ليبيا
على الجانب السياسي الداعم للتحركات الاقتصادية، ألقى تقرير تحليلي صادر عن معهد أبحاث أميركي (Middle East Forum) الضوء على جذور الانسداد السياسي في البلاد. واعتبر التقرير أن إطالة أمد الأزمة المالية والسياسية يعود بالأساس إلى وجود شخصيات معرقلة للتوافق الوطني.
أهم ما ورد في التقرير الأميركي:
• تحديد عقبتين رئيسيتين: صنف التقرير كلاً من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، والمفتي المعزول من مجلس النواب الصادق الغرياني، باعتبارهما العائقين الأساسيين أمام توحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية في ليبيا، داعياً إلى إزاحتهما من المشهد السياسي.
• اتهامات بالفساد والاستئثار: اتهم التقرير إدارة الدبيبة بالتسبب في ركود البنية التحتية واستغلال السلطة للبقاء فيها عبر تعطيل المسار الانتخابي، رغم الحصيلة الكبيرة من العائدات النفطية التي تدفقت على الحكومة.
• دعم جهود التوحيد: أشار التقرير إلى تحركات المبعوثين والمستشارين الأمريكيين (من بينهم تحركات واشنطن الأخيرة مع أطراف الشرق والغرب) لسحب الذرائع وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة موارد البلاد بشفافية وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المنتظرة.
تُظهر التطورات المتلاحقة حالة من التكافل بين الانسداد السياسي والتردي المالي؛ فبينما يرى التقرير الأميركي أن الحل يبدأ بتغيير السلطة التنفيذية لرفع العوائق أمام وحدة البلاد، يرى الخبراء أن استمرار حالة "الإظلام المالي" وحجب بيانات المصرف المركزي يفاقمان الأزمة الهيكلية للاقتصاد الليبي ويقوّضان أي جهود للإصلاح.
أخبار ذات صلة
اقتصاد
4.436 مليار دينار ليبي.. إجمالي إنفاق الأجسام التشريعية والتنفيذية في ليبيا خلال 8 أشهر
2026-09-11
اقرأ المزيد
اقتصاد
تنظيم الاستيراد عبر القنوات المصرفية: بين ضبط الأسعار وتحديات السيولة والامتثال
2026-09-08
اقرأ المزيد
اقتصاد
الهروب من مقصلة بروكسل: كيف أعاد النفط الليبي رسم مسار مصفاة «كوليفي» الجورجية؟
2026-09-05
اقرأ المزيد
اقتصاد
النفط الليبي ومخرجات لجنة «4+4»: هندسة التهدئة المؤقتة وتحديات الاستدامة
2026-09-05
اقرأ المزيد