أزمة الكهرباء... عندما انطفأت الأنوار، اشتغلت التصريحات.
بعد الإظلام الواسع الذي شهدته ليبيا، بدأت رحلة البحث عن المسؤول.
الحكومة حملت الشركة العامة للكهرباء المسؤولية، ووصف رئيسها إدارتها بأنها "فاشلة" و"ساقطة".
لكن المعطيات التي خرجت إلى العلن خلال الساعات الماضية تقول إن الأزمة كانت أكبر من مجرد خلل داخل شركة.
بحسب الرواية الصادرة عن الشركة، فإن ما حدث لم يكن مفاجأة.
ففي الرابع من يونيو، وجّه مديرها العام مراسلة رسمية إلى رئيس الحكومة والنائب العام، حذر فيها من أن نقص الغاز والوقود سيدفع الشبكة إلى مرحلة حرجة، مطالبًا بتدخل عاجل قبل أن يصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة.
بمعنى آخر... التحذير وصل، لكن الكهرباء هي التي وصلت أولًا إلى مرحلة الانهيار.
ولم تكن أزمة الوقود وحدها في المشهد.
فالاشتباكات التي شهدتها مدينة الزاوية تحولت من ملف أمني إلى أزمة طاقة، بعدما خرجت محطة الزاوية من الخدمة جزئيًا وفُقد نحو 700 ميغاوات من القدرة الإنتاجية.
وبعدها غادر مهندسو شركة GE الأمريكية البلاد، لتصبح الكهرباء أيضًا ضحية للوضع الأمني، لا للأعطال الفنية فقط.
وفي الجنوب، كانت إمدادات الغاز تتراجع، ما تسبب -وفق الشركة- في فقدان نحو ألف ميغاوات إضافية.
كما تحدثت الشركة عن اضطراب مستمر في توريد الوقود، وقالت إنها طالبت بتوجيه الغاز إلى محطات الكهرباء، بل واقترحت وقف تصدير الغاز مؤقتًا لتغطية الاحتياج المحلي، لكن شيئًا لم يتغير.
كل هذه الوقائع تكشف أن الأزمة لم تكن وليدة يوم أو يومين، بل كانت تتشكل بصمت؛ تحذيرات مكتوبة، نقص في الوقود، تراجع في الغاز، أحداث أمنية، وخروج خبرات أجنبية... بينما كان المواطن يسمع أن الأمور تحت السيطرة.
ثم انطفأت الأنوار... واكتشف الجميع أن الأزمة كانت موجودة منذ أسابيع.
المفارقة أن كل هذه الأسباب لم تظهر في المؤتمرات الصحفية إلا بعد الإظلام. وكأن الكهرباء كان عليها أن تنقطع أولًا، حتى يبدأ المسؤولون في شرح أسباب انقطاعها.
المواطن لا يبحث اليوم عن أفضل متحدث باسم الأزمة، ولا عن أكثر مسؤول يجيد توزيع الاتهامات. ما يبحث عنه هو سبب عدم تحويل تلك التحذيرات إلى قرارات قبل أن يتحول الظلام إلى واقع.
في النهاية، قد تكون الشركة أخطأت، وقد تكون هناك مسؤوليات داخلها، لكن الوقائع نفسها تشير إلى أن الملف تجاوز حدود شركة واحدة.
فعندما تجتمع أزمة أمن، وأزمة غاز، وأزمة وقود، وتأخر في الاستجابة، يصبح الحديث عن "فشل شركة" وحده أقرب إلى البحث عن كبش فداء، لا إلى تشخيص أزمة بهذا الحجم.
وفي ليبيا، يبدو أن الكهرباء ليست وحدها التي تعمل بردالفعل... حتى القرارات لا تضاء إلا بعد أن تنطفئ
أخبار ذات صلة
اقتصاد
استنزاف المياه الجوفية والانقسام السياسي.. معضلة الأمن المائي والغذائي تفاقم أزمات ليبيا
2026-07-27
اقرأ المزيد
اقتصاد
مفارقة الثروة والفقر: الليبيون بين ضخامة الإيرادات النفطية وقسوة الواقع المعيشي
2026-07-25
اقرأ المزيد
اقتصاد
التطورات الاقتصادية والنفطية في ليبيا: آفاق الإنتاج وتحديات الإصلاح الهيكلي
2026-07-25
اقرأ المزيد
اقتصاد
ترمب يلتف على المحكمة العليا: رسوم جمركية جديدة بحجة "العمل القسري" تطال 60 شريكًا تجاريًا
2026-07-24
اقرأ المزيد