من الإنتاج إلى الاستهلاك.. كيف تحولت الكهرباء في ليبيا من مغذ للاقتصاد إلى عبء معيشي؟

2026-07-15 إدارة الأخبار
من الإنتاج إلى الاستهلاك.. كيف تحولت الكهرباء في ليبيا من مغذ للاقتصاد إلى عبء معيشي؟
بينما تغرق المدن الليبية في ظلام دامس وتتكبد القطاعات الإنتاجية خسائر فادحة جراء برامج طرح الأحمال المتكررة، تكشف الأرقام والبيانات الدولية عن مفارقة صادمة تضع أزمة الطاقة في البلاد تحت مجهر التساؤلات العميقة، إذ لا تبدو المعضلة مجرد نقص في الموارد أو عجز في الإمكانات الأولية، بل هي نتاج اختلالات هيكلية متراكمة تعيق الاستفادة من الوفورات المالية الكبيرة. وتتجلى هذه المفارقة بوضوح عند مقارنة المعطيات الدولية بين ليبيا وجاراتها؛ فوفقاً لبيانات الوكالة الدولية للطاقة، بلغ إنتاج ليبيا من الكهرباء نحو 33.7 ألف جيجاواط ساعة، متفوقاً بشكل كبير على إنتاج تونس المجاورة التي بلغ إنتاجها 21.3 ألف جيجاواط ساعة، ورغم أن تونس لا تشهد أزمات انقطاع حادة ومماثلة، فإن نصيب الفرد السنوي من الكهرباء المنتجة في ليبيا يعادل أكثر من ضعف نظيره في تونس، بواقع 3.8 ميجاواط ساعة للمواطن الليبي مقابل 1.6 ميجاواط ساعة للمواطن التونسي، وهو تباين رقمي يفترض أن يترجم إلى استقرار تام للشبكة الليبية، لكن الواقع على الأرض يروي فصولاً من المعاناة اليومية والإنتاج المهدور. وتكشف القراءة التحليلية المعمقة لهذه الأرقام أن الأزمة الحقيقية تكمن في "انحراف هيكلي" مزدوج أصاب جانبي الطلب والعرض على مدار العقدين الماضيين؛ فبالنظر إلى جانب الطلب، تظهر البيانات تراجعاً كبيراً في استهلاك القطاعات الإنتاجية الكبرى مثل الصناعة، والزراعة، والخدمات العامة مقارنة بالمسار التاريخي للبلاد قبل عام 2011، وهو تراجع لا يعبر عن ترشيد أو كفاءة طاقة، بل يعكس انكماشاً اقتصادياً حاداً وتعطل القاعدة الإنتاجية، في المقابل، قفز الاستهلاك المنزلي ليصبح المكون الأسرع نمواً في الطلب على الكهرباء مدفوعاً بالتوسع السكاني والاعتماد الكلي على الأجهزة الكهربائية المنزلية، ليرتفع حجم الفجوة الاستهلاكية ويتحول الاقتصاد الليبي إلى اقتصاد يستهلك الطاقة لتلبية الاحتياجات المعيشية اليومية بدلاً من توجيهها لتوليد القيمة المضافة وتنشيط الصناعات الوطنية. هذا الانحراف في نمط الاستهلاك وتراجع تشغيل المصانع والمنشآت الكبرى أدى ظاهرياً إلى خفض كميات الغاز الطبيعي والوقود المستهلكة في محطات التوليد مقارنة بما كان متوقعاً في المسارات التاريخية، وهو ما حقق وفراً نظرياً يقارب 1.5 مليار دولار سنوياً من تكلفة الوقود، إلا أن هذا الوفر يحمل دلالة سلبية كونه نتاجاً مباشراً لشلل النشاط الاقتصادي وتوقف عجلة الإنتاج، وتتكامل هذه المعضلة الاقتصادية مع مسار تراجع القدرة الإنتاجية الإجمالية للمحطات الـ 12 الرئيسية في البلاد؛ فبعد أن نمت القدرة الإنتاجية للكهرباء بمعدل 6% سنوياً في الفترة ما بين عامي 2000 و2013 لتصل إلى 38 ألف جيجاواط ساعة، تراجع هذا المنحنى بشكل مطرد منذ عام 2014 لينخفض الإنتاج الفعلي إلى 33.7 ألف جيجاواط ساعة، مما تسبب في خسارة الاقتصاد الليبي لما يقارب 13 ألف جيجاواط ساعة من الإنتاج الذي كان ممكناً تحقيقه لو استمرت وتيرة التطوير والاستثمار السابقة. وتبرز المفارقة المالية الأكبر في قطاع الطاقة الليبي عند تتبع ملف وقود تشغيل المحطات، حيث نجحت البلاد في تحقيق تحول استراتيجي لافت برفع مساهمة الغاز الطبيعي لتمثيل 74% من مزيج الوقود المشغل للمحطات مقابل 22% فقط في عام 2000، مستبدلةً بذلك الوقود السائل عالي التكلفة كالديزل والنفط الخام، هذا التحول وفر للاقتصاد الوطني وفورات مالية ضخمة ناهزت 15 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2015 و2023، لكن هذه المبالغ الهائلة لم تجد طريقها لتوسيع محطات التوليد، أو صيانة شبكات النقل والتحويل المتقادمة، أو إدخال تقنيات الطاقة المتجددة كالشمسية، بل تبددت جدواها الفعلية بسبب جمود الاستثمارات الرأسمالية والاضطرابات السياسية والأمنية التي منعت الشركات الأجنبية من استكمال مشاريعها الإستراتيجية. إن معالجة هذه الأزمة المتجذرة تتطلب ما هو أبعد من الحلول التقنية المؤقتة وعمليات الصيانة الإسعافية؛ إذ تستدعي صياغة رؤية إستراتيجية متكاملة تبدأ بإعادة النظر في سياسات دعم الطاقة الحالية لتشجيع الاستثمار في الطاقات البديلة، وتوجيه الوفورات المالية المحققة من الغاز الطبيعي بشكل مباشر نحو صندوق استثماري مخصص لتحديث البنية التحتية الكهربائية، فضلاً عن تحفيز القطاع الخاص للمشاركة في الإنتاج وإعادة التوازن لنمط الاستهلاك بين القطاعين المنزلي والإنتاجي، لتبقى أزمة الكهرباء في ليبيا شاهداً حياً على أن وفرة الموارد الطبيعية والمالية لا تكفي وحدها لصناعة الاستقرار، ما لم تقترن بإدارة رشيدة وحوكمة مؤسسية قادرة على تحويل الأرقام والنقاط المضيئة على الورق إلى طاقة مستدامة تنير حياة المواطنين وتدعم تطلعاتهم المعيشية والاقتصادية.

أخبار ذات صلة

استنزاف المياه الجوفية والانقسام السياسي.. معضلة الأمن المائي والغذائي تفاقم أزمات ليبيا
اقتصاد
استنزاف المياه الجوفية والانقسام السياسي.. معضلة الأمن المائي والغذائي تفاقم أزمات ليبيا

2026-07-27

اقرأ المزيد
مفارقة الثروة والفقر: الليبيون بين ضخامة الإيرادات النفطية وقسوة الواقع المعيشي
اقتصاد
مفارقة الثروة والفقر: الليبيون بين ضخامة الإيرادات النفطية وقسوة الواقع المعيشي

2026-07-25

اقرأ المزيد
التطورات الاقتصادية والنفطية في ليبيا: آفاق الإنتاج وتحديات الإصلاح الهيكلي
اقتصاد
التطورات الاقتصادية والنفطية في ليبيا: آفاق الإنتاج وتحديات الإصلاح الهيكلي

2026-07-25

اقرأ المزيد
ترمب يلتف على المحكمة العليا: رسوم جمركية جديدة بحجة "العمل القسري" تطال 60 شريكًا تجاريًا
اقتصاد
ترمب يلتف على المحكمة العليا: رسوم جمركية جديدة بحجة "العمل القسري" تطال 60 شريكًا تجاريًا

2026-07-24

اقرأ المزيد