دولة الغنيمة: كيف تحول الفساد إلى مؤسسة تدير المشهد في ليبيا؟
تُصنف ليبيا بانتظام ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم وفقاً لمؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية. لكن التوصيف الدقيق للوضع الليبي يتجاوز مصطلح "الفساد" بمفهومه التقليدي؛ إننا أمام حالة "اختطاف للدولة" (State Capture) ، حيث تُسخّر المؤسسات العامة، والقوانين، والموارد السيادية لخدمة شبكات مصالح ضيقة تتداخل فيها السياسة بالمال والسلاح.
1. الجذور والتحولات: كيف تمت مأسسة الفساد؟
لم ينشأ الفساد المؤسسي في ليبيا من فراغ، بل هو نتاج سيرورة تاريخية وسياسية مرت بمحطتين رئيسيتين:
• إرث الجماهيرية (قبل 2011): تميزت هذه الحقبة بتجريف المؤسسات التقليدية وإلغاء الدستور، واعتماد نظام "اللجان" الذي غيب معايير الحوكمة والمحاسبة. اعتمدت الدولة على الاقتصاد الريعي (النفطي) وتوزيع العوائد كأداة لشراء الولاءات السياسية والقبلية، مما خلق ثقافة عامة ترى في المال العام "غنيمة" مشاعاً.
• تشظي ما بعد 2011 (الانتقال إلى الفوضى): بعد سقوط النظام السابق، انقسمت الدولة عمودياً وأفقياً.
بدلاً من بناء مؤسسات ديمقراطية، جرى تفكيك ما تبقى من الهياكل الرقابية. وتزامن ذلك مع صعود المجموعات المسلحة التي فرضت سطوتها على مؤسسات الدولة، ليتحول الفساد من آلية مركزية لإدارة الولاءات إلى منظومة لامركزية تتنافس فيها أطراف متعددة على نهب الثروة.
2. آليات الفساد المؤسسي (كيف تدار المنظومة؟)
يتخذ الفساد المؤسسي في ليبيا أشكالاً شديدة التعقيد والتنظيم، تتدثر غالباً بغطاء قانوني أو إجرائي شرعي:
🟧 الانقسام المؤسسي والشرعية المزدوجة
وجود حكومتين ومؤسسات موازية (مثل انقسام المصرف المركزي لسنوات، وتعدد الأجهزة الرقابية والوزارات) خلق بيئة مثالية للتهرب من الرقابة. هذا الانقسام أتاح للمسؤولين إنفاق مليارات الدينارات دون ميزانيات معتمدة أو تقارير ختامية واضحة، تحت بند "الطوارئ" أو "التكليفات المباشرة".
🟧 التكليفات المباشرة والمشاريع الوهمية
تخلت الحكومات المتعاقبة عن مبدأ "المناقصات العامة" الشفافة في العقود الحكومية، واستبدلتها بـالتكليفات المباشرة. تُمنح هذه العقود لشركات واجهة مملوكة لمتنفذين أو قادة مجموعات مسلحة، وغالباً ما تكون بأسعار مضخمة جداً لمشاريع لا تُنفذ على أرض الواقع أو تُنفذ بجودة رديئة.
🟧 اعتمادات المصرف المركزي والمضاربة بالعملة
شكل نظام الاعتمادات المستندية لفترات طويلة أحد أكبر أبواب الفساد المؤسسي. استفادت شبكات المصالح من الفارق الشاسع بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، حيث تُمنح اعتمادات ملايين الدولارات لاستيراد سلع وهمية أو رخيصة، ليتم تهريب العملة الصعبة للخارج أو إعادة بيعها في السوق السوداء وتحقيق أرباح فلكية على حساب الاحتياطي النقدي للدولة.
🟧 تهريب الوقود المدعوم
تُنفق الدولة الليبية مليارات الدولارات سنوياً لدعم المحروقات. هذا الدعم لا يصل للمواطن، بل يتم تحويله عبر شبكات تهريب منظمة (تضم مسؤولين، وقادة محليين، ومجموعات مسلحة) لتهريب الوقود براً وبحراً إلى دول الجوار وأوروبا، في عملية استنزاف ممنهجة للاقتصاد الوطني تدار بعلم وحماية قوى مسلحة مسيطرة على الأرض.
🟧 تغلغل الفساد في الأجهزة السيادية والرقابية
الأخطر في الظاهرة المؤسسية للفساد بليبيا هو إصابة "أجهزة المناعة" في الدولة. التقارير السنوية الصادرة عن ديوان المحاسبة الليبي وهيئة الرقابة الإدارية تكشف سنوياً عن تجاوزات مالية وإدارية بمليارات الدينارات في أعلى مستويات السلطة (مجلس الوزراء، الخارجية، الصحة، قطاع النفط).
ومع ذلك، تظل هذه التقارير بلا أثر قانوني رادع لعدة أسباب:
1. ضعف القضاء والتهديدات الأمنية: يعجز السلك القضائي والادعاء العام في كثير من الأحيان عن ملاحقة الفاسدين بسبب غياب الحماية الأمنية للقضاة وتغول السلاح.
2. المحاصصة السياسية والجهوية: تُوزع المناصب السيادية والرقابية بناءً على توافقات جهوية أو سياسية، مما يجعل المسؤول الرقابي مدفوعاً بحماية تياره أو قبيلته بدلاً من حماية المال العام.
🟧 التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
الفساد المؤسسي ليس مجرد أرقام مفقودة في الميزانيات، بل هو أزمة تمس الحياة اليومية للمواطن الليبي:
• انهيار الخدمات الأساسية: تعاني البلاد من أزمات انقطاع الكهرباء المزمنة، وانهيار المنظومة الصحية، وتهالك البنية التحتية للمدارس والطرق، رغم إنفاق مئات المليارات على هذه القطاعات في العقد الأخير.
• أزمة السيولة والتضخم: ساهم الفساد المالي في إضعاف القيمة الشرائية للدينار الليبي، وخلق أزمة سيولة نقدية خانقة في المصارف، مما دفع بقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى نحو حافة الفقر.
• إطالة أمد الصراع السياسي: تحولت مناصب الدولة ومؤسساتها الإيرادية إلى "جائزة كبرى". هذا الواقع يجعل الأطراف المتصارعة غير مستعدة للتنازل أو الذهاب نحو تسوية سياسية حقيقية أو انتخابات، لأن إنهاء الوضع القائم يعني خسارة امتيازات التدفق المالي غير المشروع.
إن علاج الفساد في ليبيا لا يمكن أن يتم عبر "حملات تطهير" مجتزأة أو شعارات سياسية فضفاضة، لأن المنظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها وتغيير جلدها.
الخروج من هذا النفق يتطلب رؤية هيكلية شاملة تبدأ بـ:
• إنهاء الانقسام المؤسسي وتوحيد السلطة التنفيذية والرقابية تحت مظلة دستورية واحدة.
• تفعيل التحول الرقمي وإلغاء المعاملات الورقية والنقدية في قطاعات الدولة الحيوية (الجمارك، الضرائب، الاعتمادات) لتقليص التدخل البشري.
• إصلاح نظام دعم المحروقات واستبداله بالدعم النقدي المباشر للمواطنين لقطع الطريق على شبكات التهريب.
• توفير حماية دولية ومحلية حقيقية للقضاء وأجهزة إنفاذ القانون لضمان مبدأ "عدم الإفلات من العقاب".
بدون هذه الجراحة المؤسسية العميقة، سيبقى الاقتصاد الليبي رهيناً لـ "اقتصاد الظل والغنيمة"، وستظل أي محاولة للاستقرار السياسي مجرد بناء على رمال متحركة.
أخبار ذات صلة
اقتصاد
استنزاف المياه الجوفية والانقسام السياسي.. معضلة الأمن المائي والغذائي تفاقم أزمات ليبيا
2026-07-27
اقرأ المزيد
اقتصاد
مفارقة الثروة والفقر: الليبيون بين ضخامة الإيرادات النفطية وقسوة الواقع المعيشي
2026-07-25
اقرأ المزيد
اقتصاد
التطورات الاقتصادية والنفطية في ليبيا: آفاق الإنتاج وتحديات الإصلاح الهيكلي
2026-07-25
اقرأ المزيد
اقتصاد
ترمب يلتف على المحكمة العليا: رسوم جمركية جديدة بحجة "العمل القسري" تطال 60 شريكًا تجاريًا
2026-07-24
اقرأ المزيد