ليبيا بين لهيب الصيف وظلام الفساد: أزمة الكهرباء تحرق جيوب المواطنين وتهدد أمنهم المائي

2026-07-04 إدارة الأخبار
ليبيا بين لهيب الصيف وظلام الفساد: أزمة  الكهرباء تحرق جيوب المواطنين وتهدد أمنهم المائي
مع دخول شهر يوليو وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، تطل أزمة الكهرباء برأسها مجدداً في ليبيا، في مشهد يتكرر كل صيف وكأنه قدر محتوم يُفرض على شعب يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في القارة الأفريقية. وبينما تنعكس ثروات النفط الليبي انتعاشاً في مؤشرات البورصات العالمية، يعيش المواطنون في العاصمة طرابلس وبنغازي وسبها ومصراتة ظلاماً دامساً يمتد لساعات طويلة. هذا التناقض الصارخ بين غنى باطن الأرض وفقر الخدمات على سطحها، حوّل الصيف الليبي إلى ساحة معاناة مستمرة وتساؤلات لا تنتهي. 🟧 العاصمة والمنطقة الغربية: معاناة مضاعفة وتجاهل رسمي لم يكن الغرب الليبي بمعزل عن هذه المأساة؛ ففي بلدية تاجوراء (شرق العاصمة طرابلس)، يواجه السكان انقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي امتدت لأيام. هذه الانقطاعات خلفت مشقة بالغة للأسر، لا سيما مع تزامنها مع أداء أبنائهم لامتحانات الشهادة الثانوية، فضلاً عن تلف الأغذية في ظل تراجع القدرة الشرائية وغلاء الأسعار. وفي بلدية عين زارة، يعلو صوت الاستنكار ضد الشركة العامة للكهرباء؛ حيث انتقد عميد البلدية، أحمد عطية، غياب الردود الرسمية على استفسارات الأهالي بشأن جداول "طرح الأحمال" التي تراوحت بين 3 إلى 7 ساعات يومياً في شرق العاصمة وجنوبها. ويزداد الاستياء نظراً لوجود مرافق حيوية ومستشفيات داخل البلدية تتأثر بهذه الانقطاعات، في وقت تتمتع فيه بلديات أخرى بتيار مستمر دون انقطاع، مما يعمق الشعور بالتمييز وغياب العدالة في توزيع الخدمة. 🟧 لغز المليارات المتبخرة: أزمة مالية أم هندسية؟ يظل السؤال الأكثر إلحاحاً في الشارع الليبي: لماذا تستمر هذه الأزمة خانقة رغم إنفاق المليارات؟ المعطيات والأرقام الصادرة تكشف عن حجم استنزاف أموال الدولة إذ تجاوزت مصاريف الشركة العامة للكهرباء في عهد إدارة محمد عمر المشاي حاجز 27 مليار دينار. ومع ذلك، بقيت الحصيلة على أرض الواقع صفراً، وتجلت في استمرار طرح الأحمال. وتشير التقارير إلى أن الأزمة ليست هندسية أو فنية بحتة، بل هي "أزمة مالية لأصحاب البطون الكبيرة". وتتزايد الشبهات حول عمليات الاستيراد التي تمت بطرق "التكليف المباشر" وبأسعار مرتفعة لافتة، مع وجود تضخيم في الفواتير وصل لعدة أضعاف قيمتها الحقيقية. يضاف إلى ذلك الفساد المالي والإداري، وتعيين أشخاص يفتقرون للمؤهلات والخبرات الكافية، مما ساهم في تدهور كفاءة التشغيل. ويرى مراقبون أن الشركة باتت تستخدم "الأحمال المصطنعة" كسلاح متكرر كل عام (تحت حجج نقص الوقود أو الصيانات) لابتزاز الحكومات المتعاقبة بغية الحصول على المزيد من الأموال. 🟧 "محولات مضروبة" وصفقات سياسية على حساب المواطن تتجاوز أبعاد الأزمة سوء الإدارة لتصل إلى اتهامات مباشرة بالفساد الإنشائي والسياسي. وفي هذا السياق، فجّر الناشط السياسي من مصراتة، المهدي عبد العاطي، اتهامات عبر الفضاء الرقمي مشيراً إلى أن المليارات التي صُرفت في عهد "حميد والمشاي" تمخضت عن استيراد "محولات هندية مضروبة" صُنعت في سلطنة عمان لصالح شركة "المستقبل". هذه المحولات المغشوشة تسببت -بحسب قوله- في انفجار وتوقف المحولات وانقطاع الكهرباء في مختلف أنحاء البلاد. ولم تقف الأزمة عند عتبة الفساد المالي، بل تشابكت مع صفقات سياسية كبرى. حيث يرى متابعون أن الأنباء المتداولة حول لقاءات مسؤولي حكومة الدبيبة (منتهية الولاية) مع مسؤولين إسرائيليين في روما، تأتي ضمن سياق صفقات لتقاسم النفوذ والثروة على حساب المواطن البسيط. وبينما يبحث المسؤولون عن شراكات سياسية مشبوهة، يغرق الليبيون في المعاناة اليومية وارتفاع الأسعار إذ سجلت نسبة التضخم الغذائي قفزة بنسبة 17.6% في مايو 2026 مقارنة بالعام الماضي، مما زاد التكلفة المعيشية بنحو 20% في سنة واحدة. 🟧 الكهرباء تهدد أمن المياه: خروج 52 بئراً عن الخدمة لم تعد أزمة الكهرباء تقتصر على غياب الإضاءة أو التكييف، بل امتدت لتهدد شريان الحياة الأساسي: أمن المياه. فقد حمّل جهاز النهر الصناعي العظيم الشركة العامة للكهرباء المسؤولية الكاملة عن تكرار انقطاع التيار الكهربائي وحدوث "هزات كهربائية" في الشبكة. وأكد الجهاز أن هزة كهربائية عنيفة تسببت في خروج 52 بئراً إنتاجياً عن الخدمة دفعة واحدة في حقلي السرير وتازربو؛ حيث خرج 41 بئراً في حقل السرير (من أصل 93 بئرا)، و11 بئراً في حقل تازربو (من أصل 44 بئراً). هذا التوقف المفاجئ يشكل تحدياً كبيراً خارجاً عن سيطرة جهاز النهر الصناعي، ويؤثر بشكل مباشر ومباشر على توفير الاحتياجات اليومية للاستهلاك البشري والزراعي، مما يضع البلاد على شفا أزمة جفاف شاملة. إن ما يحدث في ملف الكهرباء بليبيا يتجاوز حدود الأعطال الفنية؛ إنها أزمة ثقة وإدارة وشرعية خدماتية. المواطن الليبي اليوم بات يشعر بأنه يدفع الثمن مرتين: مرة عبر فواتير الجباية والعدادات الإلكترونية المقوتة، ومرة أخرى لشراء المولدات (التي يتجاوز سعر الصغير منها 3500 دينار والكبير 10 آلاف دينار) وبنزين السوق السوداء. لقد ملّ الشارع الليبي من التبريرات الواهية وصيغ تبادل المسؤوليات بين المؤسسات، وبات يطالب بمحاسبة حقيقية للمقصرين وبخطة وطنية شفافة تنهي هذه المأساة التي لم تعد تُطاق.

أخبار ذات صلة

استنزاف المياه الجوفية والانقسام السياسي.. معضلة الأمن المائي والغذائي تفاقم أزمات ليبيا
اقتصاد
استنزاف المياه الجوفية والانقسام السياسي.. معضلة الأمن المائي والغذائي تفاقم أزمات ليبيا

2026-07-27

اقرأ المزيد
مفارقة الثروة والفقر: الليبيون بين ضخامة الإيرادات النفطية وقسوة الواقع المعيشي
اقتصاد
مفارقة الثروة والفقر: الليبيون بين ضخامة الإيرادات النفطية وقسوة الواقع المعيشي

2026-07-25

اقرأ المزيد
التطورات الاقتصادية والنفطية في ليبيا: آفاق الإنتاج وتحديات الإصلاح الهيكلي
اقتصاد
التطورات الاقتصادية والنفطية في ليبيا: آفاق الإنتاج وتحديات الإصلاح الهيكلي

2026-07-25

اقرأ المزيد
ترمب يلتف على المحكمة العليا: رسوم جمركية جديدة بحجة "العمل القسري" تطال 60 شريكًا تجاريًا
اقتصاد
ترمب يلتف على المحكمة العليا: رسوم جمركية جديدة بحجة "العمل القسري" تطال 60 شريكًا تجاريًا

2026-07-24

اقرأ المزيد