حين يتحوّل الحارس إلى خصم: كيف يخنق إغلاق "الزاوية" و"الشرارة" شريان ليبيا الأخير؟
عادت ورقة النفط في ليبيا لتتصدر واجهة الضغوط السياسية والاجتماعية من جديد، مع الإعلان الرسمي للمؤسسة الوطنية للنفط عن إغلاق مجمع الزاوية النفطي وصمام خط نقل خام حقل الشرارة بمنطقة الحمادة. هذا التطور لا يمثل مجرد تعطل تشغيلي عابر لمرفق حيوي، بل يجسد حلقة جديدة من مسلسل توظيف مقدرات الدولة في التجاذبات الميدانية والمطالبات الفئوية، مما يضع قطاع الطاقة الليبي واقتصاده الهش برمته أمام منعطف بالغ الخطورة.
جغرافيا الأزمة: شريان الجنوب يلتقي بحصار الساحل
تتجاوز خطورة الإغلاق الراهن فكرة الاحتجاج الموضعي لتتخذ طابعاً منسقاً جغرافيّاً ولوجستيّاً؛ إذ جمعت الأزمة بين نقطتي البداية والنهاية لأكبر منظومة إنتاج نفطي في غرب البلاد:
المنبع (حقل الشرارة): يمثل استمرار إغلاق الصمام رقم (7) في منطقة الحمادة قطعاً لشريان الإمداد لخام حقل الشرارة (التابع لشركة أكاكوس للعمليات النفطية)، وهو أكبر الحقول النفطية في ليبيا. أدى هذا القفل إلى فقدان أولي يناهز 130 ألف برميل يومياً، وهو رقم مرشح للتصاعد السريع ليصل إلى كامل الطاقة الإنتاجية للحقل البالغة نحو 300 ألف برميل يومياً. المصب والمكرر (مجمع الزاوية):
استهدف إغلاق بوابات شركة الزاوية لتكرير النفط وشركة البريقة لتسويق النفط شلّ عمليات التكرير والتخزين والشحن؛ حيث منع تبديل الورديات الفنية والتشغيلية ووصول الكوادر الهندسية، فضلاً عن تعطيل العملية التعليمية بمعهد النفط للتأهيل والتدريب.
إن استهداف المرفقين معاً يُظهر نسقاً متكرراً يعتمد على خنق سلسلة القيمة النفطية بالكامل: من الآبار في أقصى الجنوب الغربي إلى مرافئ التصدير والمصافي على الساحل الغربي.
مفارقة الحراسة والتعطيل: معضلة حرس المنشآت النفطية
تكمن المفارقة البارزة في هذه التطورات في هوية الجهة المنفذة للإغلاق؛ إذ يشير البيان صراحة إلى أن القائمين على القفل هم من منتسبي "جهاز حرس المنشآت النفطية" بالتنسيق مع مجموعات مسلحة.
تتحول الجهة المكلفة قانوناً وأمنياً بحماية الأصول الحيوية للدولة إلى أداة لتعطيلها كلما طفت على السطح خلافات تتعلق بصرف المستحقات، أو زيادة الرواتب، أو تسويات إدارية ومالية، أو حتى رسائل سياسية موجهة لأطراف في العاصمة. هذه المعضلة الهيكلية تعكس غياب العقيدة الأمنية الموحدة لدى الجهاز، وخضوع بعض فروعه للولاءات المحلية والجهوية، مما يجعله عنصر ضغط على الدولة بدلاً من أن يكون صمام أمان لمواردها.
التداعيات الاقتصادية والتشغيلية المباشرة
ينذر استمرار هذا الوضع بتبعات فورية تتجاوز قطاع النفط لتطال الحياة اليومية للمواطن والالتزامات الدولية للدولة:
خطر "القوة القاهرة" والسمعة التعاقدية: تلويح مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط بإعلان حالة "القوة القاهرة" خلال ساعات يُعد خطوة اضطرارية وقانونية لعزل المؤسسة والدولة عن دفع غرامات مالية ضخمة للشركاء الدوليين وشركات الشحن بسبب العجز عن تسليم الشحنات المتعاقد عليها. ومع ذلك، فإن تكرار اللجوء إلى هذا البند يعيد ترسيخ صورة ليبيا كمورد غير موثوق في سوق الطاقة العالمي، مما يقوض جهود جذب الاستثمارات الأجنبية لتطوير القطاع. أزمة المحروقات الداخلية: لا يقتصر دور مجمع الزاوية على تصدير الخام، بل يمثل حلقة الوصل الرئيسية لتغذية السوق المحلي بالمشتقات النفطية (البنزين والديزل وغاز الطهي) للمناطق الغربية والجنوبية. شلل المصفاة وشركة البريقة يعني العودة الفورية لأزمة طوابير الوقود وارتفاع تكلفة توليد الطاقة في المحطات الكهربائية المعتمدة على المشتقات. استنزاف الخزانة العامة: تضطر الدولة في حال توقف المصفاة المحلية إلى زيادة استيراد المحروقات الجاهزة من الخارج بالعملة الصعبة، في وقت تتراجع فيه الإيرادات العامة الناتجة عن مبيعات النفط الخام، مما يفاقم العجز في الميزان التجاري ويزيد الضغط على احتياطيات المصرف المركزي. المخاطر الفنية والسلامة المهنية: الإغلاق الجزئي أو القسري للمصافي ومحطات الضخ دون الالتزام بإجراءات الإيقاف التدريجي الآمن يُعرّض الأنابيب والصمامات ووحدات التكرير لاهتزازات ضغط وتلف ميكانيكي دائم، مما يرفع من تكلفة الصيانة ويهدد السلامة العامة للمنشآت والعاملين. غياب الردع وتكرار النموذج
يعيد مشهد الزاوية والحمادة إنتاج النمط المألوف في المشهد الليبي: "الإغلاق مقابل التفاوض". لقد أثبتت السنوات الماضية أن سياسة الاستجابة للمطالب الفئوية تحت ضغط السلاح أو إغلاق الحقول دون محاسبة قانونية أدت إلى تحويل هذه الممارسة إلى ورقة ابتزاز دائمة تُستخدم لتحقيق مكاسب نفعية أو سياسية.
إن استمرار وقوف الأجهزة الأمنية والضبطية في موقف المتفرج – كما أشار بيان المؤسسة في مطالبته لتحمل مسؤولياتها – يُفرغ التحذيرات من مضمونها الرادع، ويجعل من استئناف الضخ مجرد هدنة مؤقتة بانتظار إغلاق قادم.
يمثل حسم أزمة مجمع الزاوية وحقل الشرارة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على تحييد قطاع النفط عن الاستقطاب السياسي والصراعات المسلحة. إن استمرار التعامل مع إغلاق المنشآت النفطية بمنطق "المسكنات" وتقديم التنازلات الفئوية دون معالجة جذرية لتبعية جهاز حرس المنشآت وفرض سيادة القانون، سيظل يضع الاقتصاد الليبي برمته رهينة لغلق صمام أو إقفال بوابة، مع ما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي والاجتماعي في البلاد.
أخبار ذات صلة
اقتصاد
صمام "الحمادة" يعيد إشعال أزمة النفط الليبي: الذهب الأسود رهينة الصراع السياسي ومطالب الحماية
2026-09-15
اقرأ المزيد
اقتصاد
4.436 مليار دينار ليبي.. إجمالي إنفاق الأجسام التشريعية والتنفيذية في ليبيا خلال 8 أشهر
2026-09-11
اقرأ المزيد
اقتصاد
تنظيم الاستيراد عبر القنوات المصرفية: بين ضبط الأسعار وتحديات السيولة والامتثال
2026-09-08
اقرأ المزيد
اقتصاد
الهروب من مقصلة بروكسل: كيف أعاد النفط الليبي رسم مسار مصفاة «كوليفي» الجورجية؟
2026-09-05
اقرأ المزيد