النفط الليبي بين رهانات السلاح والانتفاضة الشعبية
شهدت الساعات الأخيرة تصاعداً ميدانياً خطيراً في محيط مصفاة الزاوية لكرير النفط (40 كيلومتراً غرب طرابلس)، حيث تطوق نيران التشكيلات المسلحة أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد (بطاقة 120 ألف برميل يومياً)، والمتربطة بحقل الشرارة (300 ألف برميل يومياً).
يأتي هذا التطور بعد استخدام الطائرات المسيرة («درون») للمرة الأولى في صراع التشكيلات المسلحة بالمدينة، مما دفع إدارة المصفاة لإلزام العاملين بتجنب خطوط النار وتوقف العمليات خشية وقوع كارثة بيئية وإنسانية.
تأتي هذه الأحداث لتجسد الأزمة الممتدة منذ قرابة 15 عاماً، والتي تحولت فيها الثروات النفطية – التي تمثل 98% من موارد الدولة – إلى رهينة في قبضة الفصائل المتناحرة، وسط تجاذبات سياسية وأطماع دولية تحرّك المشهد من الخلف.
مصفاة الزاوية ومجمع مليتة: المنشآت الحيوية في مرمى النيران
لم تكن المعارك الأخيرة سوى حلقة في سلسلة استهداف البنية التحتية؛ فقبل ثلاثة أشهر سقطت قذائف ثقيلة واخترقت رصاصات (14.5) خزانات المصفاة إثر اشتباكات بين عناصر تابعة لمحمد كشلاف («القصب») ومحمد بحرون («الفار»).
وهي حوادث تكررت سابقاً، أبرزها في أبريل 2022 حين تضرر 29 موقعاً داخل المصفاة.
ولم يقتصر التوتر على الزاوية؛ إذ فرض محتجون غاضبون سيطرتهم على مجمع مليتة النفطي والغازي (115 كم غرب طرابلس)، المتصل بخط «غرين ستريم» والمغذي لشركة «إيني» الإيطالية، مما أدى لإغلاق حقل الفيل وتخفيض ضخ حقل الوفاء.
ورغم تدخل قوات رئاسة الأركان لتأمين التدفق نحو أوروبا، إلا أن الأزمة سلطت الضوء على اتساع الفجوة بين تصدير الطاقة للخارج والحرمان المحلي منها.
مفارقة النفط والظلام: شلل الخدمات وانقطاع الكهرباء
تتركز أزمة الشارع الليبي في الانقطاع المزمن للتيار الكهربائي لساعات تصل إلى 20 ساعة يومياً، رغم وصول إنتاج النفط الخام إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً.
وأوضحت الشركة العامة للكهرباء أن الاشتباكات والأعطال الفنية – أبرزها خروج 10 وحدات توليد نتيجة عطل في خط النقل (400 كيلوفولت) وفقدان 700 ميغاوات في اشتباكات مايو – أدت إلى هذا الانهيار.
ورغم إعلان حكومة الوحدة الوطنية عن إنفاق ميزانيات لترميم قطاع الطاقة، تسببت الأزمة في تداعيات معيشية واقتصادية حادة:
توقف القطاعات الإنتاجية: إغلاق مصانع حيوية كـ "مصنع مياه دجلة" بوادي الربيع لغياب الوقود.
الاعتماد على المولدات: تحمل المواطنين والتجار أعباء شراء المولدات والوقود بأسعار مرتفعة.
ارتفاع أسعار السلع: تجاوزت تكلفة لتر مياه الشرب أسعار الوقود في بعض المناطق نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل.
خريطة الصراع: أطراف الأزمة وتداعياتها
الطرف / الجهةموقع النفوذ / الدورالتأثير على قطاع النفط والطاقةمجموعة "القصب" و"الفار"مدينة الزاوية (غرب طرابلس)تعريض مصفاة الزاوية للقصف وتوقف عمليات التكرير.
المحتجون والحراكات الشعبيةطرابلس، مليتة، مناطق الغربإغلاق حقول (الفيل، الوفاء) ومحاصرة المنشآت الحيوية.مواطنون وقبائل (الشرق والجنوب)حقول الشرارة، الفيل، الموانئإغلاقات متكررة للضغط لتحقيق مطالب سياسية وتوزيع العوائد.
القوى والدبلوماسية الدوليةمبادرات إقليمية ودوليةالسعي لتأمين تدفق الإمدادات للخارج وضمان استقرار العقود.
مسارات الحل واستعادة السيادة الوطنية
يتطلب الخروج من دائرة تعطيل الإمدادات والإظلام التام اتخاذ خطوات استراتيجية تضمن حماية الثروات الوطنية وتحقيق التنمية:
تحييد المنشآت النفطية: إبعاد السلاح والتشكيلات المسلحة عن محيط المجموعات النفطية ومحطات التوليد وجعلها مناطق معزولة أمنياً.
إدارة عوائد النفط بشفافية: إنهاء النزاع حول توزيع الإيرادات وتوجيه الميزانيات صراحة لتحديث شبكات الكهرباء والبنية التحتية.
التوظيف المحلي للطاقة: إعطاء الأولوية لتشغيل محطات التوليد المحلية وتوفير الوقود والغاز للمرفق العام قبل التصدير.
استقلال القرار الوطني: بناء اقتصاد إنتاجي بعيداً عن تجاذبات الوصاية الدولية أو المحاصصات السياسية الضيقة.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد