خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
لم تكن اتصالات المعايدة التي أجراها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مجرد مجاملة بروتوكولية عابرة تتزامن مع عطلة عيد الأضحى بل حملت في توقيتها وجغرافيتها السياسية رسالة واضحة المعالم.
فبين طرابلس في الغرب وبنغازي في الشرق، فُتحت خطوط الاتصال المتزامنة مع الممسكين الفعليين بمفاتيح القوة والقرار، لتعيد واشنطن رسم حضورها المباشر في تفاصيل الأزمة الليبية المستعصية، مدشنة مرحلة أكثر زخماً من "دبلوماسية الهاتف".
هندسة الاتصال وتوزيع الثقل
اختارت الدبلوماسية الأميركية التحرك ببراغماتية مكشوفة، متجاوزة الهياكل التقليدية نحو مراكز النفوذ الميداني والتنفيذي؛ فشملت الاتصالات رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي في طرابلس، وقابلتها على الضفة الشرقية محادثات مع نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق صدام حفتر، ومدير عام صندوق التنمية وإعادة الإعمار بلقاسم حفتر.
عكست هذه التوليفة رغبة واشنطن في تجاوز الجمود الذي أصاب المسار السياسي الأممي خلال السنوات الماضية، واستطلاع إمكانية فرض واقع تفاوضي جديد.
فالتغريدة التي أطلقها بولس لم تقف عند حدود التهاني، بل حددت بوضوح بوصلة التحرك: المصالحة الوطنية، ودفع مسار توحيد المؤسسات المنقسمة، والبحث عن استقرار مستدام ينهي عقدين تقريباً من التفتت السياسي والأمني.
بين طموح الدمج وسيناريو الإدارة المشتركة
تأتي هذه الاتصالات لتغذي التكهنات حول صيغة تسوية جديدة تجري هندستها وراء الكواليس. ويرى مراقبون وأكاديميون، ومنهم أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي الدكتور محمد حسن مخلوف، أن الحراك الأميركي يحاول البناء على إنجازات عملية سابقة فرعاية وزارة الخزانة الأميركية لاتفاق الميزانية الموحدة بعد 13 عاماً من الانقسام المالي، ومشاركة قوات من الشرق والغرب في تمارين «فلينتلوك» العسكرية برعاية القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، شكلا أرضية لاختبار تفاهمات أعمق.
وتتمحور هذه الرهانات حول مسارين محتملين: إما دمج الحكومتين المتنافستين في طرابلس وبنغازي ضمن إطار تنفيذي موحد، أو تشكيل سلطة انتقالية بديلة تتولى إدارة المرحلة وإعادة توزيع الأدوار القيادية بين مراكز القوة الحالية.
أصوات الشك: تدوير النفوذ وفرض الأمر الواقع
على الجانب الآخر من المشهد، لا تجد هذه الطروحات الأميركية طريقاً ممهداً، بل تصطدم بريبة سياسية واسعة النطاق من قوى حزبية ومحلية.
فالرافضون لهذه التفاهمات—وعلى رأسهم رئيس حزب «الجبهة الوطنية» عبد الله الرفادي—ينظرون إلى المبادرة بوصفها استنساخاً لسياسات التهدئة المؤقتة، وتغليباً لحسابات التمكين الفردي وتقاسم النفوذ وموارد البلاد النفطية والمالية على حساب الإرادة الشعبية والاستحقاق الدستوري.
ويحذر هذا التيار من أن القفز على المسار الانتخابي العام وعدم تشكيل مجلس تأسيسي منتخب سيقود إلى "حلول ترقيعية" تكرس واقع القوة وسلطة السلاح، دون معالجة جذور النزاع المستمر منذ عام 2011، مما يجعل أي اتفاق نخبوي غير محصن أمام الانتكاس الميداني في أي لحظة.
مسار موازٍ على طاولة تونس
بين مساعي الدفع الأميركي وتوجس القوى السياسية المعارضة، تبقى العيون مشدودة نحو العاصمة التونسية، حيث يستعد ممثلو حكومة الوحدة الوطنية والجيش الوطني الليبي في لجنة «4+4» لاستئناف نقاشاتهم الفنية حول القوانين الانتخابية وملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
يجسد هذا التداخل بين ضغوط واشنطن واجتماعات لجنة «4+4» حقيقة المشهد الليبي الراهن؛ فالبلاد تقف مجدداً عند مفترق طرق بين مشروع تسوية براغماتي تقوده حسابات القوة والمصالح الخارجية، وبين تطلعات داخلية لا تزال تنتظر صندوق الاقتراع لإنهاء حالة الانقسام المزمن وتوحيد مؤسسات الدولة المنهكة.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد