من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
لم تكن مدينة سرت يوماً مجرد نقطة ارتكاز جغرافية في منتصف الساحل الليبي بل ظلت على مدى سنوات الصراع والانقسام مرآة تعكس التوازنات السياسية والعسكرية في البلاد، وحداً فاصلاً شهد أخطر المواجهات، قبل أن يتحول تدريجياً إلى قاعة تفاوض هادئة.
إن استضافة المدينة للاجتماع التشاوري والتنفيذي الذي ضم رؤساء أركان القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي من الشرق والغرب لا يمثل مجرد جولة جديدة من المباحثات البروتوكولية، بل يؤشر إلى تحول بنيوي في منهجية إدارة الملف العسكري عبر الانتقال من التفاهمات الرمزية في المستويات القيادية العليا إلى مأسسة "التكامل الفني والنوعي" على الأرض.
يأتي هذا التطور تتويجاً لمسار تراكمي تدحرجت كرته بثبات خلال الأشهر الأخيرة إذ شكل لقاء لواندا في أنغولا أواخر يونيو بين رئيس الأركان العامة التابع لحكومة الوحدة الوطنية صلاح الدين النمروش ورئيس أركان قوات الشرق خالد حفتر كسراً لجمود سياسي وعسكري طويل أعقبه تثبيت لمبدأ استدامة الاتصال في لقاء سرت الموسع منتصف يوليو.
واليوم، يأتي النزول بالتنسيق إلى مستوى الصنوف النوعية (الجوية، البحرية، الدفاع الجوي) ليكشف عن إدراك عميق من الأطراف العسكرية بأن المعضلة الليبية لم تعد تحتمل خطابات النوايا المجردة، وأن تأمين السيادة الوطنية يتطلب بناء جسور احترافية مشتركة في مجالات التدريب، التسليح، الإسناد اللوجستي، والتأهيل الأكاديمي، بعيداً عن التجاذبات الإقليمية والدولية المعقدة.
التحول من التنسيق السياسي إلى الربط العضوي
نزع التسييس عن الصنوف الاحترافية: لطالما كانت القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي أسلحة تستند بطبيعتها إلى معايير تقنية وانضباط احترافي صارم يقل فيه الاستقطاب الأيديولوجي مقارنة بالقوات البرية أو التشكيلات المسلحة الهجينة، ما يجعل التقارب بين قياداتها مدخلاً نموذجياً لإعادة بناء العقيدة المشتركة. بناء الثقة
عبر التشارك الفني: الاتفاق على تبادل قطع الغيار، ومشاريع الصيانة، والخطط التعبوية المشتركة يُسهم عملياً في تفكيك منطق "العداء التسلحي المتبادل" ويحول فائض القوة من أدوات استنزاف داخلي إلى أدوات تأمين للحدود والمياه الاقتصادية الخالصة.
تكامل المنظومات الميدانية: توافق منظومات الدفاع الجوي والرادارات والمراقبة البحرية يحمي الأجواء والمياه الليبية من أي اختراقات خارجية، ويعيد لليبيا هيبتها المفقودة كقوة وازنة في حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا.
إن المحاور الأربعة التي تضمنتها مخرجات سرت—بدءاً من المناورات الميدانية والمشاريع التعبوية، مروراً بالتسليح وتوحيد سلاسل الإمداد اللوجستي، وصولاً إلى إعادة توحيد المناهج في الكليات العسكرية المتخصصة—تضع المؤسسة العسكرية في موقع "المبادر الوطني" الذي يسعى لسحب فتيل التفجير، في وقت يعيش فيه المسار السياسي حالة من الشلل والانقسام المؤسسي المزمن بين حكومتين تتنازعان الشرعية في طرابلس وبنغازي.
وتكتسب هذه الخطوات أهميتها بالنظر إلى دور الأطر القائمة، سواء اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" المنبثقة عن اتفاق جنيف لوقف إطلاق النار، أو لجنة "3+3" المستحدثة والمكلفة بملفات مكافحة الإرهاب وأمن الحدود المشتركة؛ إذ تشكل شبكة الأمان الحقيقية لمنع الانزلاق نحو الحرب مجدداً.
ومع ذلك، يقف هذا المسار الواعد أمام اختبارات بالغة التعقيد تتجاوز الإرادة المهنية لرؤساء الأركان فالانقسام المالي، وغياب الميزانية الموحدة، وتداخل النفوذ الأجنبي مع انتشار القواعد والخبراء التابعين لأطراف دولية متباينة، تمثل عقبات هيكلية قد تبطئ ترجمة هذه الخطط التنفيذية على أرض الواقع. كما أن تحدي دمج التشكيلات المسلحة خارج إطار الجيش التقليدي، وحسم مسألة القيادة العليا والتبعية الدستورية النهائية، يظلان العقدتين الأكثر حساسية في المشهد.
غير أن انتقال لغة الحوار من مستوى البنادق الموجهة إلى جداول التدريب والمناورات اللوجستية المشتركة يبعث برسالة واضحة: إن العسكريين المحترفين على طرفي خطوط التماس باتوا أقرب لبعضهم من الساسة، وأن وحدة ليبيا وسيادتها تبدآن من وحدة ترسانتها وضباطها تحت راية مؤسسة وطنية تحمي التراب ولا تستقوي عليه.
أخبار ذات صلة
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد