بين الفائض المالي والخطر الهيكلي: ماذا تكشف أرقام مصرف ليبيا المركزي عن اقتصاد ريعي معطل؟
أماط مصرف ليبيا المركزي اللثام عن نشرته الاقتصادية للربع الأول من عام 2026، كاشفاً عن أرقام تعكس في ظاهرها مساراً مالياً مريحاً يحقق فائضاً كبيراً، لكنها في عمقها تجسد أزمة اقتصادية هيكلية وتسلّط الضوء على اتجاهين متعاكسين يعيشهما الاقتصاد الليبي: فائض في دفاتر البنك المركزي، مقابل عجز تنموي وشلل في الدورة الاقتصادية الحقيقية.
تأتي هذه البيانات بعد فترة من الغموض والتوقف عن إصدار تقارير الإيرادات والإنفاق الشهرية؛ إذ لم يفصح المصرف منذ مطلع العام سوى عن بيانات شهري يناير وفبراير، مما أثار علامات استفهام حول انتظام الإفصاح المالي وشفافيته في ظل التجاذبات السياسية المعقدة.
خريطة المالية العامة: تشريح الأرقام الرسمية
تظهر النشرة الرسمية الصادرة عن المصرف المركزي أن إجمالي الإيرادات العامة للدولة بلغ نحو 24.27 مليار دينار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام. غير أن النظر في تفاصيل هذا الرقم يكشف عن تعمّق حالة "الريع النفطي"؛ إذ بلغت الإيرادات النفطية وحدها نحو 23.67 مليار دينار (ما يعادل 3.78 مليار دولار)، لتستحوذ بمفردها على 97.5% من إجمالي دخل البلاد، ملقيةً بالقطاعات الإنتاجية الأخرى في هامش شبه معدوم.
وفي المقابل، لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية مجتمعةً حاجز 600.4 مليون دينار، كان نصيب حصيلة الضرائب والجمارك منها نحو 180 مليون دينار فقط، وهو ما يقل عن 1% من الإجمالي العام للإيرادات.
وعلى صعيد الإنفاق العام، سجل المصرف مصروفات إجمالية بلغت 15.25 مليار دينار. واستحوذ بند المرتبات والأجور على النصيب الأكبر من هذه النفقات بقيمة 11.99 مليار دينار، تلاه بند الدعم وموازنة الأسعار بقيمة 3.10 مليارات دينار، لليشكلا معاً نحو 99% من إجمالي الإنفاق الحكومي خلال الفترة.
وبينما اقتصرت النفقات التسييرية على نحو 164.5 مليون دينار، انعدم الإنفاق تماماً في بند التنمية والمشاريع الاستثمارية ليُسجل صفراً كاملاً طوال الربع الأول.
تحلايلات "الفائض الكاذب"
إن تحقيق فائض مالي ظاهري يتجاوز 9 مليارات دينار خلال ثلاثة أشهر لا يعكس تعافياً اقتصادياً بظروف ليبيا الحالية، بقدر ما يكشف عن اختلالات عميقة في إدارة التدفقات المالية للدولة.
يتصدر هذه الاختلالات خطورة "شبح الصفر" في بند التنمية؛ فإن تسجل الدولة إنفاقاً بنسبة 0% على المشروعات التنموية يعني تجميداً كاملاً لعمليات تطوير البنية التحتية، وتوقف أعمال الصيانة في المرفق الصحي والتعليمي وشبكات الكهرباء، إلى جانب العجز عن دعم القطاع الخاص لخلق فرص عمل جديدة. وتأسيساً على ذلك، يُعد الفائض الحالي ناتجاً عن "تأجيل الصرف" وليس عن "ترشيد الصرف" أو كفاءة الإدارة المالية.
كما توضح الأرقام أن ميزانية التشغيل باتت تأكل الأخضر واليابس؛ حيث إن استنزاف المرتبات والدعم لنحو 99% من المصروفات يحوّل الدولة الليبية عملياً إلى مؤسسة لتوزيع الأجور الاستهلاكية دون بناء أي أصول إنتاجية مستقبلية.
يضاف إلى ذلك الضمور الحاد في القطاعات غير النفطية وشلل الجباية؛ إذ يعكس تراجع حصيلة الضرائب والجمارك لأقل من 1% عمق الأزمة المؤسسية وتفشي التهرب الضريبي، مما يجعل المالية العامة تحت الرحمة المباشرة لتقلبات أسعار خام النفط العالمية أو أي إغلاقات مفاجئة للحقول.
وفي سياق متصل، يأتي انقطاع الإفصاح المالي ثم صدوره المتأخر ليعكس حجم الضغوط السياسية المحيطة بمؤسسة المصرف المركزي؛ حيث تُستغل البيانات المالية في كثير من الأحيان كأداة للمناورة بين الأطراف المتصارعة على السلطة والموارد بدلاً من توظيفها في التخطيط الاقتصادي المستدام.
التقاطع مع الواقع السياسي والاقتصادي الليبي
تتقاطع هذه الأرقام بشكل مباشر مع المشهد الميداني المعقد والمعاناة اليومية للمواطن. فبالرغم من تسجيل فائض ملياري في دفاتر المركزي، تستمر أزمة السيولة في البنوك التجارية وتتراجع القوة الشرائية للدينار، مما يضع المواطن في طوابير طويلة للحصول على سقف سحب محدود. وتظهر هذه المفارقة غياب الثقة في المنظومة المصرفية وتكدس الكتلة النقدية خارج التداول الرسمى.
كما يلعب الانقسام الحكومي وغياب ميزانية موحدة ومعتمدة دوراً رئيساً في عرقلة مخصصات التنمية؛ إذ تظل التفاهمات المؤقتة وفتح الاعتمادات الشهرية هي الحاكم للإنفاق العام، وهو ما يفرض تسديد المرتبات والدعم لتفادي الانفجار الاجتماعي، مع ترحيل ملف البنية التحتية والتطوير إلى أجل غير مسمى.
أخيراً، يؤكد ارتهان 97.5% من الإيرادات للنفط أن الاقتصاد الليبي يظل عرضة للهزات؛ إذ إن أي توتر أمني أو سياسي في مناطق الإنتاج والتصدير كفيل بتحويل هذا الفائض الظاهري إلى عجز خانق في غضون أسابيع قليلة.
لا تقدم البيانات الأخيرة لمصرف ليبيا المركزي مبعثاً للارتياح الحقيقي رغم إيجابية "الرقم النهائي". إنها تنبيه صريح بضرورة معالجة الأزمات الهيكلية عبر إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتفعيل بند التنمية، وإصلاح منظومة الجباية، وإبعاد الملف الاقتصادي والنفطي عن التجاذبات السياسية، حتى لا يظل الاقتصاد الليبي يسير في طريقين متعاكسين: فائض في أوراق المركزي، وعجز واستنزاف في حياة المواطن اليومية.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد