بين مليارات النفط وصفقات السلاح.. كيف تقاسمت القوى الكبرى الميدان الليبي؟

2026-08-02 إدارة الأخبار
بين مليارات النفط وصفقات السلاح.. كيف تقاسمت القوى الكبرى الميدان الليبي؟
تبدو قراءة المشهد الليبي من خلال هذين الرهانين متناقضة للوهلة الأولى، غير أن الانقسام السياسي والجغرافي الفعلي في ليبيا يجعل الرهانين يتحركان في مسارين متوازيين لخدمة مصالح أطراف محلية وإقليمية متباينة بدلاً من التصادم المباشر. ولفهم كيف تدار هذه المقامرة السياسية والاقتصادية المعقدة، يتوجب تفكيك دوافع ومآلات كل رهان على حدة، ثم بحث نقاط الالتقاء والافتراق بينهما في ظل التوازنات الدولية الراهنة. يتمثل الرهان الأول في توقيع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس لاتفاقية نفطية استراتيجية طويلة الأجل تمتد لـ 25 عامًا لتطوير حقول "شركة الواحة للنفط"، بشراكة تجمع الدولة الليبية مع عملاقي الطاقة الغربيين: "توتال إنيرجيز" الفرنسية و"كونوكو فيليبس" الأمريكية. وتهدف هذه الصفقة إلى رفع القدرة الإنتاجية بمقدار 850 ألف برميل يومياً، بغية تحقيق صافي إيرادات مستقبلية تتجاوز 376 مليار دولار. وتتجاوز الحسابات هنا الأرقام المجردة لتلامس الأبعاد السياسية، حيث يمثل هذا الرهان محاولة صريحة من طرابلس لشراء استقرار سياسي مدعوم من العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن وباريس، وتأمين غطاء اقتصادي دولي يحمي تدفقات النفط ويوفر الشرعية والغطاء لحكومة الغرب وسط الاضطرابات المحلية المتواصلة. في المقابل، يتجلى الرهان الثاني في تحرك القيادة العامة للجيش الوطني الليبي في بنغازي بقيادة المشير خليفة حفتر والذي تعتبره القوى الدولية جيش ليبيا الحقيقي الاكثر احتراما وتنظيما وسيطرة على التراب الليبي نحو إبرام أضخم صفقة تسليح في تاريخ باكستان، بقيمة تتراوح بين 4 إلى 4.6 مليار دولار. وتتضمن الصفقة توريد معدات برية وبحرية، وأسراب من طائرات التدريب "سوبر موشاك"، فضلاً عن مقاتلات JF-17 Thunder المطورة بالتعاون بين إسلام آباد وبيجين. وتصطدم هذه الخطوة بعقبة دولية كبرى تتمثل في استمرار حظر الأسلحة الأممي فرض على ليبيا، مما أثار حفيظة القوى السياسية والدينية في الغرب الليبي. وتكشف التقارير الدولية أن المملكة العربية السعودية لعبت دور الوسيط المالي والمسهّل لهذه الصفقة، في مسعى إقليمي لإعادة ترتيب أوراق التحالفات وإيجاد بدائل عسكرية ونفوذ يوازن حضور حلفاء الشرق التقليديين مثل روسيا وتكتلات إقليمية أخرى. وتطرح هذه المشهدية تساؤلاً جوهرياً حول كيفية التعايش بين رهانين يبدوان ظاهرياً وكأنهما لا يجتمعان؛ فكيف يستقيم أن تضخ شركات أمريكية وفرنسية كبرى ملياراتها في قطاع النفط الليبي لتأمين الطاقة للأسواق الغربية، بينما يبرم شريك الأرض الآخر في الشرق صفقة عسكرية ضخمة تخرق الحظر الأممي وتتضمن تكنولوجيا صينية-باكستانية؟ يكمن التناقض الأساسي في معادلة الموارد الصفرية، فالنفط الذي يتم استثماره وتطويره عبر الشركات الغربية هو المورد المالي الأساسي الذي يغذي خزائن المصرف المركزي، والتي تُستغل بطرق مباشرة أو غير مباشرة لتمويل النفقات الحكومية والاتفاقات الأمنية في بلد ما يزال يعاني من التمزق الهيكلي. غير أن الواقع الليبي يثبت مجدداً قدرته على استيعاب هذه التناقضات تحت مظلة المصالح البراغماتية للمجتمع الدولي والإقليمي. فالمشهد يعتمد على فصل دقيق بين الاقتصاد والعسكرة؛ إذ يحتاج الغرب إلى تدفقات النفط الليبي بانتظام لتعويض نقص الإمدادات العالمي، ولذا يتغاضى عملياً عن الصفقات العسكرية الجانبية في الشرق ما دامت حقول وموانئ التصدير—والتي يقع معظمها جغرافياً تحت سيطرة قوات حفتر—مفتوحة وتعمل دون إغلاقات أو تعطيل. وفي الوقت نفسه، فإن الوساطة الإقليمية الثقيلة من قبل الرياض تمنح الصفقة العسكرية صبغة التوازن والتنظيم الإقليمي بدلاً من تصنيفها كحالة تمرد وتسليح عشوائي، مما يخفف الضغوط الغربية ضد سلطات الشرق. وبهذا التوازن القسري، تعيش ليبيا حالة من "الستاتيكو" والجمود السياسي والعسكري، حيث تدرك القوى الدولية أن الاستثمار في النفط بالغرب يحتاج إلى استقرار أمني وحماية ميدانية في الشرق والجنوب، مما يجعل القبول الضمني بوقائع التسليح والمشاريع النفطية حلاً واقعياً لمنع انفجار الصراع الشامل مجدداً.

أخبار ذات صلة

من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي

2026-09-11

اقرأ المزيد
مخاض في طرابلس: اتفاق "4+4" في مواجهة عاصفة الرفض وإسقاط العضوية
اخبار
مخاض في طرابلس: اتفاق "4+4" في مواجهة عاصفة الرفض وإسقاط العضوية

2026-09-08

اقرأ المزيد
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات

2026-09-05

اقرأ المزيد
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات

2026-09-05

اقرأ المزيد