عز الدين عقيل: مبادرة مسعد بولس أججت الحراك في ليبيا، والدبيبة الآن يحاول الانحناء أمام العاصفة
تأتي تصريحات رئيس حزب الائتلاف الجمهوري، عز الدين عقيل، لتسلط الضوء على عمق الانقسام الدولي والإقليمي المحيط بالأزمة الليبية، ولتكشف عن الصراع الخفي بين القوى الغربية حول هندسة الخارطة السياسية القادمة؛ حيث كشفت قراءته للمشهد عن اعتراض بريطاني وفرنسي مكتوم ضد المبادرة المقترحة من قِبل المبعوث الأمريكي مسعد بولس.
هذا المعمار السياسي والتنافس بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين يوضح أن الأزمة الليبية لم تعد مجرد خلاف بين أطراف محلية في طرابلس أو بنغازي، بل باتت ساحة لإعادة رسم مناطق النفوذ، حيث تسعى واشنطن لفرض مقاربات جديدة لتفكيك الانسداد السياسي ومحاصرة التدخلات الأخرى، بينما تتمسك باريس ولندن بأدوارها التقليدية وتخساران مساحات الحركة لصالح التمدد الأمريكي الناعم الذي يتغلغل حتى في الهياكل الخدمية والاستراتيجية للدولة.
وفي هذا السياق الساخن، جاءت محاولات رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة للتعامل مع موجة الاحتجاجات الشعبية الأخيرة بمثابة "انحناء مؤقت أمام العاصفة"، حيث كشفت المواجهة السياسية والإدارية داخل حكومته عن تقاطع مصالح الدول الخارجية مع مراكز القوة النافذة داخل العاصمة.
فالعجز الذي أظهره الدبيبة في إقالة رئيس الشركة العامة للكهرباء محمد المشاي -رغم جرأته السابقة في إقالة العديد من الوزراء والمسؤولين- يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة النفوذ الأجنبي الذي يحمي بعض الشخصيات النافذة في القطاعات الحيوية، وحول ما إذا كانت واشنطن قد مددت مظلتها لحماية ملف الطاقة والكهرباء لضمان الاستقرار الخدمي الأدنى ومنع انهيار الشبكة الذي قد يفجر الشارع بشكل غير محسوب، مما جعل موقف المشاي الميداني والسياسي أقوى في وجه الضغوط السياسية الصادرة عن رئيس الحكومة.
ومع استمرار حالة الفشل والتدهور في قطاع الطاقة، والتي تتجاوز مجرد سوء الإدارة لتطرح فرضيات التعمد والإرباك السياسي، تبدو الجماعات المسلحة في غرب البلاد وكأنها اختارت التموضع في منطقة الحياد التكتيكي تجاه الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة.
هذا الحياد لا يعبر عن انسحاب تلك الكتائب من المشهد، بل يعكس حالة رصد وانتظار لما ستسفر عنه التوافقات الدولية الجديدة؛ إذ تدرك هذه التشكيلات أن التوازن الأمني والعسكري أصبح مرهونًا بالشرعية الدولية التي تصنع السلطات وتثبتها في ليبيا، وهو ما يجعل مسألة إسقاط الحكومات أو تغييرها بالوسائل الشارعية التقليدية أمرًا بالغ الصعوبة، ما لم تتطابق الإرادة الشعبية مع غطاء دولي وإقليمي يرفع الدعم عن السلطات الحاكمة.
إن قراءة هذه المعطيات ككل تؤكد أن إنهاء الأزمة الليبية وتجاوز حالة الانسداد لن يتحققا عبر مبادرات منفردة تصطدم بفيتو الدول المنافسة، ولا عبر ترحيل الأزمات الخدمية والتغطية على صراعات النفوذ داخل المؤسسات؛ بل يتطلب ذلك توافقًا دوليًا يوازن بين التطلعات الشعبية وتفكيك شبكات المصالح العابرة للحدود.
وطالما بقيت المبادرات السياسية مجرد أدوات لإعادة توزيع الأدوار بين القوى الكبرى، فإن الشارع الليبي سيبقى يرزح تحت وطأة الأزمات الخدمية، منتظرًا لحظة تحول حقيقية تفرض فيها الإرادة الوطنية نفسها على موازين القوى الدولية والإقليمية.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد