حصانة بلا قانون.. هل تطيح انتهاكات الأجهزة الأمنية بهشاشة
تسلط الدعوة الصريحة التي أطلقتها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا بشأن ضرورة إجراء إصلاح هيكلي شامل للأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية الممنوحة صفة مأمور الضبط القضائي، الضوءَ على أزمة متجذرة في بنيوية المشهد الأمني الليبي؛ وهي أزمة تقنين نفوذ الجماعات المسلحة ومنحها غطاءً قانونياً ورسمياً دون إخضاعها للمساءلة والمحاسبة الفلية.
وتعود خلفيات هذه الأزمة إلى سنوات الصراع العقبي لعام 2011، حين لجأت السلطات المتعاقبة والمترددة في طرابلس وغيرها إلى استيعاب الكتائب والأجهزة المسلحة عبر منح عناصرها وقادتها صفة الضبطية القضائية وتشكيل أجهزة أمنية موازية.
وكان الهدف الظاهري من هذه الخطوة سد الفراغ الأمني والعجز الاستخباراتي، إلا أن النتيجة الميدانية تمثلت في توفير غطاء سيادي وحصانة إجرائية لكيانات ذات بنيات جهوية أو أيديولوجية، مما مكنها من ممارسة سلطات موسعة تشمل القبض والتحقيق والاحتجاز دون الخضوع الفعلي لسلطة النيابة العامة أو رقابة القضاء.
وفي قراءة ما بين السطور، يعكس بيان المؤسسة الحقوقية تحولاً من مرحلة التوثيق الرتيب للانتهاكات الفردية إلى توجيه نقد مباشر لسياسات "الترقيع الأمني" وإصلاح الواجهة التي تابعتها الأطراف السياسية .
فالحديث عن انتهاكات جسيمة كالإخفاء القسري والتعذيب والاحتجاز خارج القانون يؤكد أن إضفاء الصفة القانونية على التشكيلات المسلحة لم يغير من سلوكياتها الميدانية، بل حول القوانين إلى أدوات تُستغل لتصفية الحسابات السياسية وتكميم الأفواه واستهداف النشطاء والمعارضين.
كما تشير مطالبات البيان بربط الإصلاح بالمحاسبة المباشرة للقيادات والمتورطين إلى أن حالة الإفلات من العقاب باتت هي المحرك الأساسي لاستمرار هذه الممارسات، وأن أي حوار أمني أو حديث دولي عن "مأسسة الدولة" يظل مجرد تفريغ شكلي ما لم يتطرق لإنهاء وظيفة السجون السرية ومحاكمة المتورطين.
وتتجاوز أبعاد هذا الطرح الجانب الحقوقي البحت لتصل إلى قلب التسوية السياسية؛ إذ إن استمرار التفويض القضائي المفتوح لهذه الأجهزة الأمنية والميلشياوية يضعف سلطة الجهاز القضائي والنيابي المستقل، ويحول دون قيام بيئة أمنية متوازنة وموثوقة يمكن أن تُجرى في ظلها انتخابات حرة أو يتأسس عليها استقرار واستثمار طويل الأمد.
وبالتالي، فإن مطالبة المؤسسة بإعادة الهيكلة وتجريد المتورطين من صلاحياتهم تعتبر دعوة صريحة لتفكيك الهندسة الأمنية الهشة التي بنيت على المحاصصة والتمكين الفئوي، وتنبيهًا إلى أن ترسيخ سيادة القانون يبدأ من سحب الشرعية القانونية عن السلاح غير الخاضع للرقابة القضائية والتنفيذية الموحدة.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد