من حليف واشنطن ولندن إلى عقبة التفكيك.. ماذا حدث لكتائب مصراتة؟
تُشكل التحولات المتعاقبة في الخطاب الدبلوماسي البريطاني تجاه الملف الليبي، وتحديداً ما يتعلق بموقع مدينة مصراتة وتكتلاتها العسكرية، مرآةً تعكس طبيعة المقاربة الدولية المعقدة للأزمة الليبية برمتها؛ فبين الإشادة الميدانية المبكرة بدور تلك التشكيلات في تقويض تنظيم "داعش" خلال محطات سابقة، وبين الرؤى الحديثة الصادرة عن مجلس الأمن في منتصف عام 2026 والدعاية نحو التفكيك وإعادة الدمج، يتجلى عمق المأزق الأمني وسياسات إدارة الصراع التي اتسمت بالبراغماتية الدولية.
وعند قراءة المشهد ما بين السطور، يتبين أن الاستدعاء التاريخي للتصريحات البريطانية الأسبق كـتصريحات المندوب الأسبق "مارك ليال غرانت" لم يكن مجرد مواقف عابرة، بل كشف عن استراتيجية حلفاء ليبيا الدوليين في الاعتماد على الفصائل المحلية الأكثر تنظيماً وقدرة على التعبئة السريعة لمواجهة مخاطر الإرهاب العابرة للحدود، دون الانشغال الكافي آنذاك بكلفة تضخم نفوذ هذه الفصائل على حساب الدولة ومؤسساتها النامية.
هذا الاعتماد البراغماتي أنتج مفارقة أمنية وسياسية عميقة؛ إذ عزز لدى المكونات العسكرية في مصراتة قناعة راسخة بشرعيتها الدولية والإقليمية باعتبارها رأس الرمزية في محاربة التطرف، ما شجعها على الاندماج في هياكل حكومية مرنة كوزارة الدفاع، ورفض أي محاولات لتأطيرها ضمن مسمى "الميليشيات الإرهابية" أو الخارجة عن القانون.
في المقابل، أدت هذه التكتيكات الدبلوماسية إلى خلق حالة من التوجس والرفض في معسكر الشرق والقيادة العامة للجيش الليبي، التي رأت في التركيز الدولي المنفرد على أدوار مصراتة تحيزاً سياسياً واضحاً وتجاهلاً لتضحيات القوات المسلحة في اقتلاع جذور الجماعات المتطرفة في بنغازي ودرنة والمناطق الجنوبية.
وقد أعمق هذا التباين الشرخ الإقليمي، وحوّل ملف الإرهاب من قضية أمن قومي جامعة إلى ورقة للتنافس السياسي واكتساب المشروعية أمام المجتمع الدولي.
ومع وصول الأزمة إلى استعصاء أمني وهيكلي في عام 2026، اضطرت الدبلوماسية الدولية والمملكة المتحدة تحديداً إلى تعديل بوصلتها؛ حيث كشفت الإحاطات والبيانات الأخيرة في مجلس الأمن عن تحول تدريجي نحو مأسسة الدولة والضغط نحو الحوارات الأمنية المهيكلة ودمج التشكيلات المسلحة.
وقد ظهر هذا المنظور الجديد عبر الاحتفاء الدولي بالتمارين المشتركة كتدريبات "فلينتلوك" التي جمعت كوادر عسكرية من الشرق والغرب كخطوة لبناء جسور الثقة؛ إلا أن الواقع الميداني يشي بتعقد هذه المهمة.
فالنفوذ السياسي والاقتصادي والمؤسسي الذي اكتسبته كتائب مصراتة على مدى سنوات يجعل من عملية التفكيك أو إعادة الهيكلة التزاماً بالغ الصعوبة ما لم يقترن بتسوية سياسية شاملة تضمن التوازن الجهوي وتوفر بدائل تنموية ومؤسسية حقيقية، حمايةً لليبيا من الانزلاق مجدداً إلى مربع التفتت الأمني.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد