قنبلة موقوتة على موائد الليبيين: تحذيرات صحية وتدخل قضائي حاسم في ملف المبيدات الزراعية
لم تعد قضايا سلامة الغذاء في ليبيا مجرد ملفات خدمية تقف عند حدود الإرشاد الصحي، بل تحولت إلى قضية أمن قومي وصحة عامة تستدعي استنفار المؤسسات الصحيوية والرقابية والعدلية.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الشارع للتعامل مع المخاوف اليومية المرتبطة بسلامة الخضروات والفواكه، يتقاطع المسار التوعوي مع تحركات قضائية مشددة يقودها مكتب النائب العام لكشف خفايا دخول وتداول مبيدات زراعية محظورة أو ذات نسبة سمية عالية داخل الأسواق المحلية.
إرشادات وقائية حذرة: الماء الجاري لا يكفي وحده
في إطار جهوده المستمرة للتوعية، أصدر المركز الوطني لمكافحة الأمراض بليبيا حزمة من التوصيات الموجهة للمواطنين لتقليل التعرض لمتبقيات المبيدات العالقة على أسطح الخضروات والفواكه.
وأكد المركز على ضرورة اتباع ممارسات غسيل صحية جادة، تتمثل في فرك الثمار جيداً تحت المياه الجارية، واستخدام فرشاة مخصصة للأنواع ذات القشرة الصلبة أو السميكة مثل الجزر، البطاطس، والتفاح.
كما شدد المركز على ضرورة التخلص من الأوراق الخارجية للخضروات الورقية مثل الخس والملفوف وغسل الأوراق الداخلية بتركيز، إلى جانب التنبيه على غسل الفواكه التي تُقشر قبل الاستهلاك كالموز والبرتقال والبطيخ؛ لمنع انتقال السوم والمواد الكيميائية من السطح الخارجي إلى لب الثمرة أثناء التقطيع.
من جانبه، حذر الدكتور أحمد العربي، المسؤول بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض، من استخدام المنظفات أو الكلور أو المواد الكيميائية المنزلية في غسل الثمار، مؤكداً أنها لا تساهم في إزالة المبيدات –كونها ليست ملوثات ميكروبية– بل قد تتسبب في أضرار صحية إضافية نتيجة تفاعلها مع الأنسجة النباتية. وأوضح العربي أن خطورة المتبقيات الكيميائية تتعدى احتمالات الإصابة بالأمراض السرطانية لتشمل حالات التسمم الحاد، والاضطرابات الهرمونية، ومشاكل الجهاز الهضمي والأنسجة العصبية على المدى الطويل.
ورغم هذه الحملات الإرشادية، أقر المركز بوجود حدود للإجراءات الوقائية المنزلية، مؤكداً أن الغسل بالماء يظل خط دفاع أولياً، ولكنه لا يضمن التخلص الكامل من السموم في حال استخدام مبيدات جهازية تنفذ إلى داخل أنسجة الثمار نفسها، مما يجعل ضبط الصادرات والواردات والأسواق حجر الزاوية في حل الأزمة.
تحركات النائب العام: فتح ملفات الفساد الزراعي والسموم العابرة للحدود
على الجانب الآخر، لم تقف أزمة المبيدات عند حدود نصائح المطبخ؛ إذ شمر مكتب النائب العام عن ساعده لملاحقة شبكات استيراد وتداول المواد الكيميائية المحظورة بقرارات وزارية وبالمواصفات القياسية الليبية.
وفي إطار التحقيقات المتواصلة التي تباشرها النيابة العامة، رصدت التحقيقات وجود تجاوزات خطيرة وممارسات غير مشروعة في منافذ الدخول والأسواق الزراعية المحلية، حيث شملت التحركات القضائية عدة محاور رئيسية:
• ضبط الموردين والشركات المخالفة: صدور أوامر بضبط وإحضار عدد من كبار تجار وموردي المستلزمات الزراعية لتوريدهم شحنات ضخمة من المبيدات ذات السمية العالية أو المحظورة دولياً ومحلياً (مثل مركبات الفوسفور العضوي أو المواد المشتبه في تسببها بطفرات جينية).
• إغلاق المحال والمخازن العشوائية: تنفيذ حملات تفتيشية مكثفة بالتعاون مع جهاز الحرس البلدي والإدارة العامة لحماية البيئة، أسفرت عن إغلاق عشرات الصيدليات والمتاجر الزراعية والمخازن غير الترخيصية التي تبيع مواد سمية دون رقابة مهندس زراعي أو تصريح رسمي.
• التحقيق مع أجهزة الرقابة والجمارك: فتح تحقيقات موسعة مع مسؤولين في منافذ الرقابة على الأغذية والجمارك، لمعرفة كيفية دخول هذه المواد المسرطنة والمحظورة عبر الموانئ والمنافذ البرية دون خضوعها للتحاليل المخبرية الدقيقة أو بعد ممارسة التزوير في مستندات الإفراج الجمركي.
• أخذ العينات والمتابعة الميدانية: تكليف لجان فنية بالتنسيق مع مركز البحوث الزراعية ومعامل التحليل المعتمدة لأخذ عينات عشوائية من المزارع والأسواق في مختلف البلديات، لتقييم مستويات "الحد المسموح به" (MRL) واتخاذ إجراءات اتلاف فورية للمحاصيل التي تثبت زيادتها عن المنسوب الآمن.
بين صرامة القانون ووعي الشارع
تعكس هذه التحركات المزدوجة –بين الإرشاد الطبي والحسم القضائي– حجم الخطر الذي يتهدد السلامة الغذائية في ليبيا. ويرى مراقبون أن اكتفاء المؤسسات بالتحذيرات المنزلية لن يستأصل المشكلة من جذورها ما لم يواكب ذلك ردع قانوني صارم يمنع دخول المواد المحظورة ويُلزم المزارعين بأوقات الأمان الصارمة (PHI) قبل طرح المحاصيل في الأسواق.
إن معركة سلامة الغذاء في ليبيا اليوم تضع السلطات الرقابية والقضائية أمام اختبار حقيقي: إما إحكام السيطرة على سلاسل الإمداد والتداول الزراعي وتطبيق العقوبات الرادعة بحق المتلاعبين بصحة المواطنين، وإما البقاء في دائرة المعالجات المؤقتة أمام قنبلة موقوتة تهدد صحة الأجيال القادمة.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد