صراع النفوذ في ليبيا: الشارع يرفض صفقة النخب
تتجاوز الاحتجاجات الشعبية التي تتسع رقعتها في طرابلس ومدن الغرب الليبي حدود الاعتراض التقليدي على تردي الخدمات وتداعي شبكات الكهرباء.
إنها تعبير صريح عن مأزق بنيوي أعمق، يتعلق بطريقة إدارة المرحلة الانتقالية برمتها.
فالشارع الليبي لا يعلن رفضه لحكومة عبد الحميد الدبيبة فحسب، بل يرفع الصوت ضد مساعي إنتاج تسويات سياسية جديدة تُبقي على القواعد اللعبة ذاتها، وتكتفي بإعادة توزيع الحصص بين القوى النافذة دون إحداث تغيير حقيقي.
في الخلفية، تنشط الدبلوماسية الدولية والإقليمية عبر طروحات ومبادرات متعددة، تقود الأمم المتحدة بعضها وتدفع ببعضها الآخر أطراف فاعلة ومؤثرة في الملف الليبي.
وفي أروقة هذه المبادرات، تتردد صيغ وتقاسم للنفوذ تقوم على الواقعية السياسية (Realpolitik)؛ ومن بين الأفكار المتداولة صيغة تسعى للحفاظ على الدبيبة في رئاسة الحكومة مقابل منح صدام حفتر موقعاً محورياً ومباشراً في إدارة المرحلة المقبلة.
تلك المقاربة قد تبدو في نظر القوى الخارجية صفقة عملية تُنهي حالة الانقسام بين معسكري الشرق والغرب، وتضمن تدفق النفط، وتوحد المؤسسات المالكة للسلاح والمال. غير أنها في نظر شريحة واسعة من الليبيين لا تعدو كونها "صفقة عائلية" لتوزيع المكاسب بين النخب المسيطرة، وتأجيلاً مجدداً لتسليم القرار للناخبين عبر الانتخابات.
معضلة المقاربة الدولية: الاستقرار الإجرائي أم الشرعية الشعبية؟
تتجلى المعضلة الأساسية في الاختلاف الجوهري بين أولويات المجتمع الدولي وتطلعات الشارع الليبي. تبحث البعثة الأممية والقوى الدولية والإقليمية عن "استقرار سريع" يتحقق عبر التفاهم مع القوى الحائزة على السلاح والأرض والمال.
بالمقابل، يرى جانب عريض من الشارع أن هذه الأطراف ذاتها هي العائق الأكبر أمام إجراء الانتخابات الوطنية، وأنها المستفيد الأول من استدامة الوضع الراهن وإطالة أمد المراحل الانتقالية.
وفي ظل هذا المناخ المشحون بالشك وانعدام الثقة، جاء حادث اغتيال سيف الإسلام القذافي وما تبعه من غموض حول التحقيقات ليعزز هذا الانطباع، رغم أنه لم يكن السبب المباشر لاندلاع الموجة الاحتجاجية الأخيرة. لقد كان القذافي يمثل كتلة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاوزها، ووجوده في معادلة التنافس كان كفيلاً بإرباك الترتيبات الجاهزة.
لذا، جاء غيابه القسري ليُرسخ الاعتقاد بأن قواعد العملية السياسية تدار بمنطق إزاحة المنافسين واستبعادهم، لا بمنطق الاحتكام إلى الصندوق.
هشاشة اللحظة: غياب التزامن والغطاء المسلح
ورغم زخم هذا الحراك، سيفوت التحليلَ الصوابَ لو وصف ما يجري حالياً بأنه انتفاضة وطنية شاملة.
فمركز ثقل التظاهرات لا يزال محصوراً في طرابلس والمنطقة الغربية، دون أن تظهر حتى الآن حركة متزامنة أو بنفس القوة في بنغازي ومدن الشرق أو الجنوب.
يُضاف إلى ذلك غياب القيادة الوطنية الموحدة للحراك، وهي نقطة ضعف جوهرية.
فإسقاط المؤسسات القائمة دون وجود بديل سياسي متفق عليه يحمل في طياته خطر إعادة إنتاج الفراغ السلطوي الذي غذى الانقسام على مدار خمسة عشر عاماً.
كما أن البيئة الأمنية الهشة والمحيطة بالاحتجاجات تترك الشارع عرضة للاختراق أو التوظيف السياسي من قبل التشكيلات المسلحة. فالخطر الأكبر يكمن في تدخل الجماعات المسلحة لفض التحركات بالقوة، أو محاولة أطراف في الصراع استغلال طاقة الشارع لتصفية حساباتها مع حكومة الدبيبة، مما قد يحول العصيان المدني إلى مواجهة أمنية دامية تُفقد المحتجين استقلاليتهم وتحول مطالبهم إلى مجرد كارت تفاوضي في يد أمراء الحرب.
سيناريوهات المشهد المقبل
أمام الواقع الليبي اليوم ثلاثة مسارات رئيسية:
1. سيناريو الامتصاص الموقت: أن تنجح الحكومة في احتواء الموجة الحالية عبر مسكنات خدمية، كتحسين ساعات التغذية الكهربائية، وتقديم وعود بإجراء إصلاحات هيكلية أو تغييرات وزارية محدودة.
2. سيناريو فرض التغيير الجزئي: أن تتسع رقعة الاحتجاجات وتفرض إعادة تشكيل لل السلطة التنفيذية، لكن دون الذهاب إلى تفكيك المنظومة القائمة أو إنهاء نفوذ القوى النافذة.
3. سيناريو الانزلاق الأمني: أن تدخل التشكيلات المسلحة المتصارعة على خط التظاهرات، مما يؤدي إلى صدام مباشر يعيد العاصمة والبلاد إلى مربع العنف والاقتتال المباشر.
ما تشهده ليبيا اليوم ليس ثورة مكتملة الأركان، لكنه بكل تأكيد ليس مجرد أزمة كهرباء عابرة. إنه جرس إنذار صريح بأن الصيغة التي تُدار بها البلاد طوال السنوات الماضية استنفدت قدرتها على البقاء. لقد كانت أزمة الخدمات هي الشرارة التي أشعلت الفتيل، لكن الوقود الحقيقي هو شعور الشارع بأن الانقسام السياسي تحول إلى مظلة لحماية النخب، وأن مبادرات السلام والتسويات الدولية التي تُصاغ باسم "الاستقرار" ليست سوى عملية تدوير للمناصب بين الأطراف نفسها على حساب حق الليبيين في بناء دولتهم المستقلة.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد