نزيف المليارات: كيف تلتهم فاتورة دعم المحروقات عوائد النفط الليبي ؟
في الوقت الذي تبحث فيه الدولة الليبية عن مسارات آمنة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، تأتي الأرقام الصادمة لتكشف عن حجم الاستنزاف الذي تتعرض له خزينة الدولة جراء سياسات الدعم المتبعة، حيث أظهر تحليل اقتصادي حديث أن إجمالي ما أنفقته ليبيا على دعم المحروقات خلال السنوات السبع الماضية بلغ نحو 93.3 مليار دولار.
هذا الرقم المهول لا يعكس فقط ضخامة الفاتورة التي تتحملها الميزانية العامة، بل يضع علامات استفهام كبرى حول استدامة النموذج الاقتصادي الحالي لبلد يعتمد بشكل شبه كلي على عوائد النفط كمصدر وحيد للدخل القومي.
ولعل الجانب الأكثر خطورة في هذا التحليل يكمن في الإشارة إلى أن تكلفة دعم الوقود قد تجاوزت في فترات زمنية معينة إجمالي الإيرادات النفطية للبلاد، وهو مؤشر اقتصادي سلبي يوضح كيف تحول قطاع النفط من محرك للتنمية والبناء إلى مجرد ممول لآلية دعم تستهلك الأخضر واليابس.
إن التهام فاتورة الدعم لكامل العوائد النفطية أو معظمها يعني ببساطة شلل القدرة التنموية للدولة، وتوقف المشروعات الاستثمارية في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، مما يدفع بالاقتصاد الوطني نحو حلقة مفرغة من العجز والاعتماد المتزايد على الاحتياطيات النقدية.
هذا الواقع المالي المأزوم يعيد إلى الواجهة وبقوة الجدل المستمر منذ سنوات بشأن ضرورة إصلاح منظومة الدعم وترشيد الإنفاق العام.
ويرى مراقبون أن القضية اليوم لم تعد مجرد خيار سياسي أو رفاهية فكرية يناقشها الخبراء في الغرف المغلقة، بل أصبحت مسألة أمن قومي واقتصادي تتطلب قرارات شجاعة، خصوصاً وأن استمرار الدعم بشكل عيني ومباشر يفتح الباب على مصراعيه لظواهر التهريب العابر للحدود، حيث يستفيد المهربون وشبكات الجريمة المنظمة من فارق السعر الشاسع للوقود المدعوم على حساب المواطن الليبي البسيط الذي وُجد الدعم أساساً لحمايته.
ومع تفاقم هذه الأزمة، تبرز الحاجة الملحة لطرح بدائل حقيقية ومنطقية لمنظومة الدعم الحالية، مثل التحول إلى الدعم النقدي المباشر للأسر، وهو خيار يرى فيه العديد من المحللين وسيلة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين وقطع الطريق أمام شبكات التهريب، مع الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن.
غير أن هذا التحول يستلزم قبل كل شيء توافقاً سياسياً واستقراراً أمنياً، إلى جانب خطة حكومية شفافة ومدروسة لطمأنة الشارع وبناء الثقة في الآليات الجديدة، لضمان ألا تذهب هذه المليارات في مهب الريح مجدداً وتوجيهها بدلاً من ذلك نحو بناء اقتصاد مرن ومستدام للأجيال القادمة.
أخبار ذات صلة
اخبار
المبادرة الأمريكية والمسار الليبي المعقد بين تقاسم السلطة والأزمة المعيشية
2026-07-28
اقرأ المزيد