محادثات بنغازي: دلالات التنسيق الأمني والسياسي بين دمشق والقيادة العامة
تتجاوز اللقاءات الدبلوماسية في كثير من الأحيان طابعها البروتوكولي لتصبح شواهد كاشفة على إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم.
لم يكن مشهد جلوس وزير الخارجية والمغتربين، أسعد حسن الشيباني برفقة نائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر بمقر القيادة العامة في بنغازي مجرد مصافحة عابرة في جدول أعمال الطرفين بل جاء تجسيداً لمسار طويل تقاطعت فيه جغرافيا الصراع ومصالح البقاء على امتداد أكثر من عقد كامل.
تعود جذور هذا التقارب إلى اللحظة التي دخلت فيها كل من سوريا وليبيا في دوامة عام 2011، آنذاك، اختلفت التضاريس والمسارح الميدانية، لكن البنية الجوهرية للأزمتين بدت متطابقة، سلطات مركزية تواجه حركات مسلحة وتفككاً للمؤسسات، وتحولات داخلية سرعان ما تحولت إلى ساحات مفتوحة للصراع الإقليمي والدولي. ومع صعود القيادة العسكرية في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر وتبنيها سردية مكافحة الإرهاب وبناء سلطة أمنية صارمة، التقت تلك العقيدة مباشرة مع الخطاب السوري الذي تمسك بالمنطق ذاته طوال سنوات الحرب.
هذا التوافق العقائدي والأمني لم يتوقف عند حدود التطابق الفكري، بل عززته شبكة تحالفات إقليمية ودولية مشتركة، كانت موسكو في قلبها، حيث شكلت دمشق ومطاراتها العسكرية لسنوات شرياناً لوجستياً واستخباراتياً يربط التموضع الروسي في حوض المتوسط بمسارات الدعم والانتشار في بنغازي والجنوب الليبي وعموم منطقة الساحل الإفريقي.
ينتقل هذا المشهد اليوم إلى دائرة الضوء والمأسسة الدبلوماسية، إن الإعلان عن الترتيب لافتتاح قنصلية سورية عامة في بنغازي يحمل رسائل سيادية متعددة الاتجاهات، فالقيادة العامة تسعى عبر استقبال الوفد السوري الرسمي إلى تأكيد صفتها كفاعل يمتلك زمام العلاقات الدبلوماسية ويدير ملفاته الخارجية بمعزل عن التجاذبات في طرابلس.
وفي المقابل، تجد دمشق في هذا الانفتاح مساحة إضافية لتكريس عودتها إلى الساحتين العربية والدولية، انطلاقاً من بيئة سياسية تتشابه معها في الرؤية والخصوم.
غير أن الثقل الحقيقي للزيارة يكمن في البعد الأمني الذي فرضه حضور وزير الخارجية والمغتربين، أسعد حسن الشيباني، فالنقاشات لم تقتصر على الدبلوماسية التقليدية، بل طالت ملفات شائكة تتصل بضبط شبكات التهريب، وتتبع حركة المقاتلين، ومعالجة ملف المفقودين السوريين الذين تشتتوا عبر مسارات الهجرة أو الصراع الداخلي في ليبيا.
وبالنظر إلى مآلات هذا التحالف، يبدو المسار الأكثر ترجيحاً هو تشكل محور أمني وعملي واقعي، تتكامل فيه جهود الطرفين لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتأمين المصالح القنصلية والتجارية المحدودة، بعيداً عن الطموحات الجيوسياسية المعقدة التي قد تصطدم بحدود العقوبات الغربية أو تعقيدات النفوذ الإقليمي المناوئ، لا سيما الموقف التركي في غرب ليبيا وشمال سوريا.
إن ما تعكسه محادثات بنغازي في جوهره هو ميل دول ما بعد الصراع إلى تفضيل الواقعية الصلبة على الحسابات الدبلوماسية المجردة حيث تلتقي الأنظمة التي خاضت معارك طويلة ضد التفكك حول مصالحها الأمنية المباشرة، لتبني خطوط دفاع متبادلة تحفظ لها موطئ قدم راسخ في خريطة إقليمية شديدة التقلب.
أخبار ذات صلة
اخبار
العاصفة "دانيال" وتغير المناخ: حين تُضاعف هشاشة البنية التحتية قسوة الطبيعة
2026-10-21
اقرأ المزيد
اخبار
تحول استراتيجي في شرق المتوسط: مجلس النواب الليبي يتبنى الاتفاقية البحرية مع تركيا بعد قطيعة سنوات
2026-10-20
اقرأ المزيد
اخبار
في عتمة طرابلس وطائرة واشنطن: كواليس الليلة التي ابتلعت «أبو عجيلة المريمي»
2026-10-14
اقرأ المزيد