في عتمة طرابلس وطائرة واشنطن: كواليس الليلة التي ابتلعت «أبو عجيلة المريمي»
لم تكن تلك الليلة في العاصمة الليبية طرابلس سوى مسرح لعملية سرية كُتبت فصولها بعناية بالغة تحت ستار الظلام، لتبدو أشبه بمشهد انتُزع من روايات الجاسوسية الباردة.
في جنح الليل، اقتحم رجال مسلحون ينتمون إلى فصيل ذي سمعة مثقلة باتهامات القسوة والاستهانة بحقوق الإنسان منزل ضابط الاستخبارات الليبي السابق، أبو عجيلة مسعود المريمي.
لم تشفع للرجل سبعينيات عمره ولا اعتلال صحته ومشاكله الحركية؛ إذ جُرّ على الأرض بخشونة، فيما تلقى ابنه ضربة قاسية بأخمص بندقية، وتعرضت زوجته وابنته للاعتداء، قبل أن يتلاشى أثر المقتحمين برهينتهم في شوارع المدينة الغارقة في الصمت.
كانت تلك البداية فقط لرحلة لم يكن المريمي يدري مآلها. قيد الرجل ونُقل إلى زنزانة انفرادية في مدينة مصراتة ليمكث فيها أياماً معزولاً عن العالم، حتى انبلج صباح الحادي عشر من ديسمبر 2022 حاملاً مفاجأة لم تخطر له على بال.
وجد المسنّ نفسه معصوب الرأس بغطاء قماشي فضفاض، ومكبلاً بالأغلال، يُدفع نحو مدرج مطار مصراتة حيث كانت ترسو طائرة تابعة للحكومة الأمريكية، محاطة بعملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI).
كان التوتر سيد الموقف، والهمسات المتسارعة من مرافقيه تحث العملاء الأمريكيين على التعجيل باستلامه خشية العيون المتربصة والأنظار التي بدأت ترصد المشهد في المطار، قبل أن يُصعد به الدرج إلى المجهول. ومع إتمام التسليم، سلّمت السلطات الليبية متعلقاته الشخصية البسيطة في كيس نفايات بلاستيكي مهترئ نسخة من المصحف الشريف، وسجادة صلاة، وبعض الثياب ومستلزمات النظافة، وجرعات من أدوية يحتاجها جسده المنهك.
واليوم، ومن خلف قضبان قاعة المحكمة في العاصمة واشنطن، يخرج المريمي عن صمته ليطعن في شرعية وجوده بأكمله على الأراضي الأمريكية.
يصر الرجل على نفي التهمة التاريخية بصناعة القنبلة التي فجرت طائرة «بان أمريكان» فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية عام 1988، مطالباً القضاء الأمريكي بإسقاط القضية برمتها، معتبراً نفسه ضحية لعملية اختطاف وقرصنة قسرية عابرة للحدود تجاوزت كل الأعراف والقوانين الدولية.
في ساحة المرافعات، يقف فريق الدفاع واصفاً المشهد بعبارات لا تخلو من المرارة والتحذير إذ يؤكد المحامون أن ما حدث لا يمت لدولة القانون بصلة، بل هو تجسيد فج لـ «حكم الأقوياء» الذي يبعث برسالة مرعبة إلى العالم مفادها: «إذا أردناكم، فسنأخذكم»، مشددين على ضرورة إعادة موكلهم إلى الأراضي الليبية فوراً.
غير أن تداعيات هذه العملية لم تتوقف عند الجانب الحقوقي والقضائي، بل ألقت بظلال سياسية واقتصادية ثقيلة حيث أعقبت عملية التسليم تحركات أمريكية عكست تقارباً لافتاً مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، تُرجمت في صورة دعم مالي قدره 16 مليون دولار لتمويل الانتقال الديمقراطي، فضلاً عن إبرام عقود نفطية ضخمة مع عملاق الطاقة الأمريكي «هانيويل إنترناشونال»، ما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات معقدة حول الثمن السياسي والصفقات الخلفية التي رافقت ليلة تسليم المريمي من قلب ليبيا إلى سجون واشنطن.
أخبار ذات صلة
اخبار
العاصفة "دانيال" وتغير المناخ: حين تُضاعف هشاشة البنية التحتية قسوة الطبيعة
2026-10-21
اقرأ المزيد
اخبار
تحول استراتيجي في شرق المتوسط: مجلس النواب الليبي يتبنى الاتفاقية البحرية مع تركيا بعد قطيعة سنوات
2026-10-20
اقرأ المزيد
اخبار
الكوني يشن هجوماً حاداً على الرئاسي ومجلس الدولة: اتفاق «4+4» هو المخرج الوحيد ولا بديل لتوحيد المؤسسات
2026-10-12
اقرأ المزيد