سلاسل المدارس وقبضة طرابلس: حين قرر جهاز الدبيبة كسر إضراب المعلمين بالقوة
لم تكن السلاسل الحديدية التي أغلقت بها أبواب مراقبات ومديريات التعليم في مدن الغرب الليبي مجرد أقفال إضافية لمنع الموظفين من الدخول، بل كانت إعلاناً صريحاً عن بلوغ الأزمة الاجتماعية ذروتها، وتحول الإضراب النقابي من ساحات الاحتجاج المدني إلى خطوط التماس الأمني والسياسي المباشر.
جاء الرد سريعاً وصارماً، لكنه لم يصدر هذه المرة عن وزارة التربية والتعليم أو وزارة الخدمة المدنية، بل خرج من مكاتب جهاز الأمن الداخلي في طرابلس—الذراع الأمني لحكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة—ليضع حداً للفاصل الضبابي بين المطلبية النقابية والتهديد الوجودي للاستقرار العام، معلناً صراحة أن الأمن التعليمي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي للدولة.
بدأت القصة كأي فصل تقليدي في أزمة الخدمات والمستحقات المتراكمة في ليبيا: مطالبات عمالية ونقابية بتحسين الأوضاع المعيشية، صرف المتأخرات، تسوية الترقيات، وتطبيق الزيادات التي طال انتظارها في ظل موجات الغلاء وتراجع القوة الشرائية للدينار.
غير أن الحراك سرعان ما اتخذ منحى تصعيدياً متسارعاً؛ إذ انتقل من الوقفات الاحتجاجية داخل الباحات إلى إغلاق مقار مراقبات ومديريات التعليم بالسلاسل والأقفال، ما هدد بانفراط عقد العام الدراسي وشل الحركة التعليمية برمتها في مناطق عدة.
تحول المشهد التعليمي فجأة إلى ورقة ضغط حادة ومربكة لصانع القرار في طرابلس، لم يعد الأمر مجرد نقاش في أروقة وزارة المالية حول مخصصات الباب الأول في الميزانية، بل غدا شللاً وظيفياً يمس مئات الآلاف من العائلات والطلبة في المدارس العامة، الذين وجدوا أنفسهم رهائن تجاذب حاد بين استحقاقات المعلم المشروعة وحق التلميذ في مقعده الدراسي.
يمثل بيان جهاز الأمن الداخلي في طرابلس نقطة تحول مفصلية في تعاطي حكومة الدبيبة مع الاحتجاجات الفئوية.
اعتمد البيان صياغة لغوية تدمج بين الاعتراف الدبلوماسي بالحقوق والوعيد الزاجر؛ فمن جهة أولى أقر الجهاز برسالة المعلم السامية وبحق القطاعات في المطالبة بحقوقها سلمياً ودون تعطيل للمرفق العام، ومن جهة ثانية حسم الموقف بنقل الواقعة من خانة الخلاف الإداري والعمالي إلى خانة التعدي على هيبة الدولة، واصفاً إغلاق المقار بالقوة والتحريض عليه بأنه مساس صريح بالقانون وتهديد للأمن القومي.
يبرز هذا التحرك رغبة الأجهزة الأمنية في طرابلس في رسم خط أحمر عريض، فالحكومة التي تواجه تحديات مستمرة حول شرعيتها وتوازنات السيطرة على المشهد العام لا تحتمل اتساع رقعة العصيان الإداري في عقر دارها. إغلاق مؤسسة عامة بالسلاسل الحديدية يُقرأ أمنياً وسياسياً على أنه تآكل لهيبة السلطة التنفيذية، وإذا سُمح به لقطاع التعليم اليوم، فقد يمتد غداً إلى مرافق النفط والكهرباء والخدمات الحيوية.
كما تضمن البيان تحذيراً صريحاً لكل من يحاول استغلال حراك التعليم لأغراض سياسية ممنهجة، وهي عبارة تضع اليد على العصب الأكثر حساسية في الصراع الداخلي.
في بيئة منقسمة تتنازع فيها حكومتان ومصالح متعددة، تتوجس حكومة الدبيبة من استثمار أطراف مناوئة للغضب المعيشي لتقويض الاستقرار النسبي في العاصمة، واستعراض عجز الإدارة المركزية عن تسيير الخدمات الأساسية. ومع استمرار تعقيدات السيولة والتنسيق المالي للإنفاق العام، يرى الجهاز في السلاسل الحديدية أداة تتجاوز العفوية النقابية إلى ما يعتبره مخططات لإثارة الشارع، مستهدفة الفئات الأكثر حساسية: التلاميذ وأولياء أمورهم.
يضع هذا التطور المشهد أمام تداعيات مركبة، فاللجوء إلى لغة التهديد بالملاحقة القضائية والأمنية يحقق دون شك ردعاً ميدانياً سريعاً يعيد فتح المدارس المقفلة بالقوة، إلا أنه يظل استقراراً هشاً ما لم ترافقه حزمة تسويات مالية ملموسة من الحكومة.
الضغط الأمني قادر على نزع السلاسل عن الأبواب، لكنه يعجز عن نزع الإحباط المتراكم في نفوس الكوادر التربوية، كما أنه يضع السلطة في مواجهة مباشرة مع قاعدة شعبية ونقابية عريضة قد ترى في هذا التدخل تضييقاً على حق التظاهر السلمي.
في النهاية، كان بيان أمن طرابلس رسالة سياسية مشفرة تؤكد أن السلطة التنفيذية التابعة لحكومة الدبيبة غير مستعدة لتحمل أي شلل مؤسسي يهدد واجهتها العامة، حتى وإن رُفعت في سبيله أعدل المطالب.
وفي ظل استمرار الأزمة المعيشية دون معالجات اقتصادية جذرية، يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت هذه الإجراءات الحازمة ستكفي لإرساء استقرار دائم في المدارس، أم أنها مجرد تأجيل لجولة جديدة من الاحتقان قد تنفجر بأشكال أخرى.
أخبار ذات صلة
اخبار
العاصفة "دانيال" وتغير المناخ: حين تُضاعف هشاشة البنية التحتية قسوة الطبيعة
2026-10-21
اقرأ المزيد
اخبار
تحول استراتيجي في شرق المتوسط: مجلس النواب الليبي يتبنى الاتفاقية البحرية مع تركيا بعد قطيعة سنوات
2026-10-20
اقرأ المزيد
اخبار
في عتمة طرابلس وطائرة واشنطن: كواليس الليلة التي ابتلعت «أبو عجيلة المريمي»
2026-10-14
اقرأ المزيد