صعود الصالحين العبيدي ونهاية حقبة عقيلة صالح

2026-10-06 إدارة الأخبار
صعود الصالحين العبيدي ونهاية حقبة عقيلة صالح
يُمثل إعلان جلسة بنغازي انتخاب النائب عن دائرة طبرق، الصالحين عبدالنبي العبيدي، رئيساً لمجلس النواب الليبي، نقطة تحول مفصلية هي الأبرز والأخطر داخل المؤسسة التشريعية منذ انطلاق أعمالها في صيف عام 2014. على مدى عقد كامل من الزمن، ارتبطت هوية البرلمان وقراراته ومساراته السياسية باسم المستشار عقيلة صالح، الذي أدار المجلس بقدرة فائقة على المناورة والموازنة بين مراكز القوى الداخلية والتحالفات الإقليمية. غير أن المشهد الذي تشكل في بنغازي بحضور تجاوز مئة نائب لا يعكس مجرد خلاف روتيني حول جدول أعمال، بل يكشف عن تمرد برلماني مكتمل الأركان نجح في حشد النصاب الكافي لتعديل اللائحة الداخلية وإزاحة هرم القيادة التاريخي، واضعاً البلاد برمتها أمام فصل جديد من الصراع حول الشرعية الإجرائية والتوازنات السياسية. تنبع الدلالة الأولى لهذه الخطوة من تفكيك المنظومة التقليدية التي استند إليها عقيلة صالح في إدارة البرلمان، فقد عانى المجلس لسنوات من حالة انقسام هيكلي وتجميد فعلي لآلياته الديمقراطية، حيث تكررت الشكاوى البرلمانية من احتكار القرار، وغياب الشفافية في صياغة القوانين وإحالتها، وتحويل الجلسات إلى فضاءات شكلية تُدار ببيانات مقتضبة تتوافق مع حسابات الرئاسة لا مع الإرادة الجماعية للنواب. إن تصويت نحو مئة نائب على إنهاء ولاية مكتب الرئاسة يعكس وصول هذا الاحتقان الداخلي إلى حافة الانفجار، مشيراً إلى تشكل كتلة برلمانية عابرة للتيارات المعتادة رأت أن كسر الجمود واستعادة هيبة المؤسسة التشريعية لن يتحققا إلا بتغيير الرأس الذي هيمن على المشهد لعشر سنوات. كما يحمل صعود الصالحين عبدالنبي العبيدي بعداً جيوسياسياً واجتماعياً بالغ الحساسية فالرجل ينحدر من دائرة طبرق والبيئة القبلية ذاتها تقريباً التي ينتمي إليها عقيلة صالح في شرق البلاد. هذا التحديد الجغرافي والاجتماعي يقطع الطريق مبكراً على أي محاولات لتصوير الإطاحة بعقيلة على أنها استهداف إقليمي لمنطقة برقة أو محاولة من الغرب الليبي لسحب بساط القيادة التشريعية. لقد جاء التغيير من قلب الحاضنة ذاتها، وهو ما يمنح العبيدي ورئاسته الوليدة غطاءً اجتماعياً يقلص من قدرة عقيلة على تجييش الشارع أو العشائر المحلية لصالحه، ويضع الأخير في عزلة سياسية غير مسبوقة داخل معقله التاريخي. في المقابل، يدشن موقف عقيلة صالح الرافض لهذه الجلسات ولنتائجها مرحلة نزاع دستوري وقانوني معقدة، إن استناد عقيلة إلى بطلان الإجراءات واعتبار الجلسة غير رسمية يفتح الباب أمام سيناريو "ازدواجية الرئاسة"، وهو السيناريو الأكثر كلفة وإرباكاً للمشهد الليبي المنهك بالانقسامات. فالخلاف يدور حول تفسير اللائحة الداخلية ومدى قانونية عقد جلسة برئاسة النائب الثاني مصباح دومة في ظل وجود الرئيس ورفضه لانعقادها. وإذا ما أصر عقيلة على ممارسة مهامه ودعوة كتلته الخاصة من النواب للانعقاد في مقر آخر، فإن ذلك سينقل عدوى الانشطار المؤسسي إلى داخل أروقة البرلمان ذاته، معيداً إلى الأذهان حقبة انقسام النواب بين طبرق وطرابلس عقب أحداث عام 2019، لكن هذه المرة داخل الشرق الليبي نفسه. تتجاوز ارتدادات هذا الحدث حدود قبة البرلمان لتضرب مباشرة في عمق مسارات التسوية الوطنية والدولية. فجميع الملفات الحيوية الراهنة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقرارات البرلمان، وعلى رأسها القوانين الانتخابية المنجزة عبر لجنة "6+6"، والتوافقات المتعلقة بمسار "4+4"، وخارطة الطريق الشاملة التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بهدف تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وتوحيد الميزانية والمناصب السيادية. لقد كان عقيلة صالح طرفاً أساسياً ومحاوراً لا يمكن تجاوزه في هندسة هذه التفاهمات، خصوصاً في خطوط اتصاله المعقدة مع رئيس المجلس الأعلى للدولة. والآن، تجد هذه المسارات نفسها أمام حالة شلل مؤقت إذ ستجد المؤسسات الشريكة نفسها محاصرة بسؤال الشرعية: هل تتعامل مع الصالحين العبيدي بصفته المعبر عن الأغلبية العددية للجلسة، أم تنتظر حسم النزاع مع عقيلة خشية الطعن في دستورية أي قانون أو اتفاق مقبل؟ أما المجتمع الدولي والبعثة الأممية، فإن موقفهما سيكون حاسماً في ترجيح كفة أحد الطرفين. اعتادت القوى الدولية التعامل مع الأزمة الليبية بمنطق الأمر الواقع القائم على حيازة السيطرة والفاعلية وإذا استطاع الصالحين العبيدي وهيئته الجديدة الحفاظ على تماسك الأغلبية البرلمانية، وبسط السيطرة الإدارية على ديوان المجلس في بنغازي، ومد جسور تواصل مرنة مع القوى الأمنية والعسكرية الفاعلة في المنطقة، فإن الاعتراف الدولي بالواقع الجديد سيغدو مسألة وقت، في المقابل، فإن أي تردد من الأطراف الدولية أو محاولة للوساطة بين الرئيسين قد يطيل أمد النزاع ويوفر لعقيلة صالح فرصة للمناورة واستعادة المبادرة من خلال حلفائه الإقليميين. تضع هذه التطورات البرلمان الليبي على مفترق طرق حقيقي فالخطوة الجريئة التي قادها أكثر من مئة نائب تؤسس لمرحلة تحرر برلماني من القيادة الفردية نحو ديناميكية جديدة قد تعيد تشكيل التحالفات في شرق البلاد وغربها. لكن نجاح هذه المغامرة السياسية مشروط بقدرة الصالحين العبيدي على ترسيخ شرعيته التنظيمية، وإثبات قدرة البرلمان على العمل بشكل جماعي وفعال، وتجنب فخ التعطيل المتبادل الذي ظل لسنوات الأداة المثلى لإدامة الأزمة الليبية وتأجيل الحلول الجذرية.

أخبار ذات صلة

بين صخب المنابر وحسابات المصالح: ترامب يعتذر
اخبار
بين صخب المنابر وحسابات المصالح: ترامب يعتذر

2026-10-26

اقرأ المزيد
العاصفة "دانيال" وتغير المناخ: حين تُضاعف هشاشة البنية التحتية قسوة الطبيعة
اخبار
العاصفة "دانيال" وتغير المناخ: حين تُضاعف هشاشة البنية التحتية قسوة الطبيعة

2026-10-21

اقرأ المزيد
تحول استراتيجي في شرق المتوسط: مجلس النواب الليبي يتبنى الاتفاقية البحرية مع تركيا بعد قطيعة سنوات
اخبار
تحول استراتيجي في شرق المتوسط: مجلس النواب الليبي يتبنى الاتفاقية البحرية مع تركيا بعد قطيعة سنوات

2026-10-20

اقرأ المزيد
في عتمة طرابلس وطائرة واشنطن: كواليس الليلة التي ابتلعت «أبو عجيلة المريمي»
اخبار
في عتمة طرابلس وطائرة واشنطن: كواليس الليلة التي ابتلعت «أبو عجيلة المريمي»

2026-10-14

اقرأ المزيد