بين شاشات الافتراض وجدران الواقع: ظاهرة "المجدوب" وعرض الانسداد الليبي
لم يكن إعلان مصطفى المجدوب عن نفسه رئيساً لما وصفه بـ"حكومة مؤسسات المجتمع المدني" سوى فصلاً مألوفاً من فصول التنازع السياسي الليبي، وإن حمل في تفاصيله سمات المسرحية العبثية.
فالمسألة تتجاوز مجرد خروج شخصية بلا ثقل عسكري أو رصيد تنفيذي لتعلن تجميد البرلمان ومجلس الدولة ودعوة الحكومتين القائمتين لتسليم مقاليد الأمور إنها بالدرجة الأولى انعكاس بنيوي لعمق الأزمة التي تعيشها دولة بلا مرجعية شرعية موحدة ولا احتكار لأدوات القوة المشروعة.
إن إطلاق ما يمكن تسميته بـ"حكومة الجمعة" يحمل دلالة تكتيكية وسيميائية واضحة؛ فاختيار العطلة الأسبوعية والظهور المسجل عبر منصات التواصل هو استثمار وافٍ لغياب الفعل المؤسسي السريع، ومحاولة لصناعة "واقع موازٍ" يتغذى على الفضاء الرقمي وضجيجه قبل أن تصطدم طموحاته بجدران الواقع الميداني الصلبة.
هذا التكتيك لم يكن مبتكراً، بل استنساخ لظواهر متكررة شهدتها الساحة الليبية منذ عام 2014، حين بات كل من يملك بياناً وعلماً قادراً على إعلان جسم سياسي جديد مستنداً إلى تفسير انتقائي لنصوص قانونية أو مخرجات حوارية سابقة.
تكمن المفارقة في أن المجدوب يطرح شروطاً وقرارات جذرية: تجميد أجهزة سيادية، إعلان حالة النفير، طرح استفتاء دستوري في تسعين يوماً، وتحديد مدى زمني لانتخابات عامة؛ وهي استحقاقات عجزت عن تحقيقها بعثات أممية وأجسام مدعومة باتفاقات دولية على مدار عقد كامل.
هذا التناقض الصارخ بين حجم الخطاب وهشاشة الأرضية التنفيذية لا يعني أن مثل هذه المبادرات تولد من فراغ، بل إنها نتاج بيئة حاضنة يغذيها أمران أساسيان:
أولاً، الفراغ الدستوري والشرعي الممتد؛ فالأجسام السياسية القائمة في الشرق والغرب، من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى الحكومتين المتنافستين، استنفدت مددها القانونية وشروط شرعيتها الانتخابية، وبات بقاؤها قائماً على الأمر الواقع وتوازنات القوة والتحالفات الإقليمية.
هذا التآكل الأخلاقي والقانوني يمنح أي طرف خارجي أو محلي ذريعة الطعن في شرعيتها والدعوة لملء الفراغ، حتى لو كان البديل فاقداً لمقومات الاستدامة.
ثانياً، التذمر الاجتماعي والانسداد العام؛ إذ يمثل الالتفاف المحدود أو التعاطف الضمني من بعض الفعاليات الأهلية والنشطاء ليس بالضرورة إيماناً بقدرة المجدوب أو واقعية مشروعه، بل تصويتاً عقابياً واحتجاجاً سلبياً ضد النخبة الحاكمة. حين ييأس الشارع من صندوق الاقتراع، وتتعثر مسارات الحوارات السياسية، يصبح التلويح بكيانات موازية أداة ضغط نفسية وشعبية لإحراج مراكز القوى المتخندقة خلف سلاحها وميزانياتها.
القراءة الميدانية للحالة الليبية تؤكد أن السلطة في طرابلس أو بنغازي لا تُنتزع بالبيانات المصورة من الغرف المغلقة، بل هي نتاج معادلات شديدة التعقيد تجمع بين السيطرة على خطوط الإمداد العسكري، والتحكم في مفاتيح المصرف المركزي وتدفقات عائدات النفط، والتمتع بغطاء اعتراف دولي وإقليمي.
وأي كيان يفتقر لهذه الركائز الثلاث يظل مجرد حركة احتجاجية تفتقد مقومات الإدارة.
إن ظاهرة "حكومات الجمعة" ليست مرضاً مستقلاً بذاته، بل هي عَرَض سطحي لمرض عضال يتمثل في هندسة الجمود السياسي. فطالما استمرت الأطراف المسيطرة في تقاسم النفوذ وتأجيل الاستحقاق الانتخابي الشامل، سيبقى المشهد الليبي عرضة لمثل هذه المبادرات الارتجالية، التي تكشف في كل مرة مدى هشاشة البنية السياسية وقابليتها للاختراق والعبث الرمزي.
أخبار ذات صلة
اخبار
العاصفة "دانيال" وتغير المناخ: حين تُضاعف هشاشة البنية التحتية قسوة الطبيعة
2026-10-21
اقرأ المزيد
اخبار
تحول استراتيجي في شرق المتوسط: مجلس النواب الليبي يتبنى الاتفاقية البحرية مع تركيا بعد قطيعة سنوات
2026-10-20
اقرأ المزيد
اخبار
في عتمة طرابلس وطائرة واشنطن: كواليس الليلة التي ابتلعت «أبو عجيلة المريمي»
2026-10-14
اقرأ المزيد