نبض معلّق بخيط طاقة: غرف عمليات أطفال طرابلس تحت رحمة المولدات
في أروقة مستشفى جامعة طرابلس، لم تكن التحديات التي واجهت الجراحين صباح اليوم تدور حول درجة تعقيد الشرايين أو حساسية الصمامات في أجساد أطفال لم تتجاوز أعمارهم بضع سنوات بل كانت المعركة تدور خارج أسوار غرفة العمليات تماماً، في خزانات الوقود المغذية لمولدات الكهرباء، وفي شبكة إمداد عامة انقطعت لتترك حياة هؤلاء الصغار معلقة على مفترق طرق خطير.
تفاصيل المشهد داخل غرف الجراحة
كان جدول العمليات لجراحة وقسطرة القلب للأطفال قد حُددت مواعيده بدقة، بمشاركة طواقم طبية أجنبية جاءت عبر برنامج توأمة وتعاون دولي تقوده بعثة أمريكية تابعة لـ «تحالف نوفيك للقلب» (Novick Cardiac Alliance). كان الرهان قائماً على استثمار وجود هذه الخبرات النوعية لإجراء تدخلات جراحية دقيقة لإنقاذ حالات حرجة، ونقل المعرفة والمهارات إلى الكوادر المحلية التي تواجه نقصاً مزمناً في الإمكانات والموارد المتقدمة.
لكن الجاهزية الطبية اصطدمت فجأة بواقع تشغيلي معطل؛ فالتيار الكهربائي انقطع، والمولدات الاحتياطية التي تمثل صمام الأمان الوحيد للمرفق الطبي عجزت عن العمل باستقرار نتيجة نقص كميات الديزل الكافية لتغطية الساعات الطويلة والمعقدة التي تتطلبها جراحات من هذا النوع.
معضلة الأجهزة الحيوية
تكمن خطورة الموقف في الطبيعة الفنية لجراحات القلب المفتوح؛ إذ تعتمد هذه العمليات بشكل محوري على جهاز القلب والرئة الصناعي (معدات الدورة الدموية خارج الجسم)، وهو النظام المعقد الذي يتولى أكسجة الدم وضخه نيابة عن القلب المتوقف مؤقتاً أثناء الجراحة.
ومع افتقار هذه المنظومات المتطورة إلى بطاريات شحن احتياطية مستقلة تؤمن طاقتها في لحظات الطوارئ المفاجئة، فإن أي تذبذب أو انقطاع في التغذية الكهربائية لا يعني مجرد توقف شاشات المراقبة، بل يعني توقف تدفق الحياة ذاتها في أوردة المريض وشرايينه بصورة فورية لا تحتمل أي ارتباك فني. وأمام هذه المعادلة المستحيلة، وجدت الإدارة الطبية نفسها مرغمة على تعليق العمليتين المقررتين حفاظاً على أرواح الأطفال وتفادياً لمجازفة كارثية غير محسوبة العواقب.
تراكمات الأزمة وأبعادها الإنسانية
لا تعد هذه الحادثة واقعة معزولة، بل هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من أزمات القطاع الصحي التي وثقتها تقارير المتابعة المستمرة إذ تدفع المستشفيات الكبرى بصورة متكررة ضريبة عدم استقرار شبكة الكهرباء العامة وتذبذب سلاسل إمداد الوقود المخصص للمرافق الحيوية.
إن توقف هذه الجراحات الدقيقة لا يقتصر أثره على تأجيل موعد في جدول العمليات، بل يحمل انعكاسات مباشرة ومحبطة على مسارات التعاون الطبي الدولي التي تسعى جاهدة لدعم الرعاية الصحية للأطفال داخل البلاد؛ فالأسر التي انتظرت طويلاً دور أطفالها لإنقاذهم عبر هذه البعثات التخصصية، تعود مجدداً إلى دوامة الانتظار القلق، في مشهد إنساني يلخص كيف يمكن لعجز الإمدادات الأساسية أن يعطل أدق الإنجازات الطبية وأكثرها إلحاحاً.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد