المخابرات الليبية بين قيادتين .. هل تكون النتائج صراع مسلح
تعيش مؤسسة المخابرات الليبية العامة، إحدى أهم الأركان الأمنية السيادية في البلاد، حالة من الشلل التام والتخبط الإداري غير المسبوق، عقب دخولها في أفق مسدود يتمثل في وجود "رأسين" للجهاز: رئيس مُقال يرفض التسليم ويمارس مهامه بقوة الأمر الواقع، ورئيس جديد مُعين لا يستطيع بسط سيطرته بالكامل، في مشهد يُجسد عمق الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي يضرب ليبيا.
🟧 حسين العايب يمارس مهامه متحدياً قرار الإقالة
بدأت ملامح الأزمة تتضح جلياً عندما فاجأ المجلس الرئاسي الأوساط السياسية بقرار إقالة اللواء حسين العايب من منصبه كرئيس لجهاز المخابرات العامة.
هذا القرار، الذي كان يُفترض أن يكون إجراءً تنظيمياً روتينياً، تحول فوراً إلى بؤرة صراع محتدمة.
فقد أعلن العايب صراحةً رفضه لقرار الإقالة، معتبراً إياه "غير شرعي ومخالفاً للاتفاقات السياسية".
ولم يتوقف رفض العايب عند حدود التصريحات الدبلوماسية، بل ترجمه إلى أفعال على أرض الواقع:
⚫️ الاستمرار في الدوام: يواصل العايب الحضور إلى مقر عمله بانتظام، ويُدير الاجتماعات مع بعض القيادات الأمنية الموالية له داخل الجهاز.
⚫️ إصدار القرارات الإدارية: يعمد العايب إلى توقيع كتب رسمية وقرارات إدارية تتعلق بشؤون الموظفين والعمليات الأمنية، معتبراً نفسه الرئيس الشرعي والوحيد للجهاز.
⚫️ التحركات الدبلوماسية: استقبل العايب في مكتبه، حتى بعد صدور قرار إقالته، عدداً من الشخصيات السياسية والدبلوماسية، في محاولة واضحة لتكريس شرعيته وفرض أمر واقع أمام المجتمع الدولي والمحلي.
هذا الموقف المتصلب من العايب أدى إلى انقسام داخل صفوف ضباط وموظفي الجهاز، حيث يرفض قطاع واسع منهم التعامل مع الرئيس الجديد، مما تسبب في توقف تام لتدفق المعلومات الاستخباراتية الحيوية وتعطيل كافة العمليات الحساسة.
🟧 لماذا أقدم المجلس الرئاسي على تغيير العايب؟
يثير توقيت قرار المجلس الرئاسي بتغيير حسين العايب تساؤلات عديدة حول الأسباب الكامنة وراء هذه الخطوة المفاجئة.
ورغم غياب بيان رسمي مفصل، إلا أن مصادر مطلعة وتحليلات سياسية تشير إلى جملة من الدوافع:
• ضغوطات سياسية داخلية: تشير المصادر إلى أن المجلس الرئاسي تعرض لضغوطات قوية من أطراف سياسية وعسكرية فاعلة في المنطقة الغربية، كانت تعتبر العايب "عقبة" أمام نفوذها وتتهمه بالموالاة لأطراف أخرى.
• محاولة إعادة التوازن: يسعى المجلس الرئاسي من خلال هذا التعيين إلى إعادة رسم خارطة النفوذ الأمني، وضمان ولاء جهاز المخابرات لقيادته، خاصة في ظل التوترات المستمرة.
• البحث عن شخصية توافقية (مبدئياً): تم تقديم عبد المجيد مليقطة كشخصية "توافقية" قادرة على جسر الهوة بين الأطراف المختلفة، إلا أن هذا الرهان أثبت فشله سريعاً بعد رفض الطرف الآخر له.
• عدم الرضا عن الأداء: تلمح بعض المصادر إلى وجود استياء غير معلن داخل المجلس الرئاسي من أداء الجهاز تحت قيادة العايب، خاصة في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب وتأمين العاصمة.
🟧 تحركات مجلس النواب: رفض قاطع ودعم للعايب
لم يقف مجلس النواب مكتوف الأيدي أمام هذا التصعيد. فقد سارع البرلمان، برئاسة عقيلة صالح، إلى إعلان رفضه القاطع لقرار المجلس الرئاسي بتعيين مليقطة بدلاً من العايب.
واعتبر مجلس النواب أن هذا القرار يمثل "تغولاً" على اختصاصاته وخرقاً للاتفاق السياسي الذي يمنح البرلمان صلاحية تسمية رؤساء المناصب السيادية.
وفي خطوة تصعيدية، قام مجلس النواب بالتحركات التالية:
• إصدار بيان رسمي: أدان فيه قرار التعيين واعتبره باطلاً، مؤكداً أن العايب هو "الرئيس الشرعي والمعترف به" للجهاز.
• دعوة العايب للاستمرار: حث البرلمان حسين العايب على الاستمرار في ممارسة مهامه وبذل كل الجهود للحفاظ على تماسك المؤسسة الأمنية.
• التلويح بإجراءات قانونية: هدد مجلس النواب باتخاذ إجراءات قانونية وقضائية لإلغاء قرار التعيين، معتبراً إياه غير دستوري.
هذا الموقف المتشدد من مجلس النواب عمّق الانقسام وجعل من الصعب إيجاد مخرج توافقي للأزمة، حيث تحولت قضية رئاسة المخابرات إلى جزء من الصراع السياسي الأوسع بين طرابلس وطبرق.
🟧 التوقعات المستقبلية: جمود أم صدام؟
تضع هذه الأزمة المركبة جهاز المخابرات الليبية أمام سيناريوهات قاتمة ومفتوحة على كافة الاحتمالات. وفي ظل تعنت الأطراف وتمسك كل منهم بموقفه، يمكن استشراف التوقعات التالية:
1. استمرار الشلل والجمود الإداري (السيناريو الأرجح):
• قد يستمر هذا الوضع لأسابيع أو حتى أشهر قادمة.
• يظل الجهاز مشلولاً، عاجزاً عن أداء مهامه الحيوية في جمع المعلومات وتحليلها.
• يتفاقم الانقسام الداخلي بين الموظفين، ويصبح الجهاز عبارة عن "هيكل بلا روح".
• تزداد مخاطر الاختراقات الأمنية وفقدان السيطرة على الملفات الحساسة.
2. الصدام المسلح (السيناريو الأكثر خطورة):
• إذا حاول أي من الطرفين بسط سيطرته بالقوة على مقر الجهاز في طرابلس.
• قد تتدخل المليشيات الموالية لكل طرف، مما يؤدي إلى اندلاع اشتباكات مسلحة داخل العاصمة.
• يهدد هذا السيناريو بنسف اتفاق وقف إطلاق النار الهش ويعيد البلاد إلى مربع العنف.
🟧 البحث عن حل توافقي (السيناريو المثالي ولكن المستبعد حالياً):
• بضغط من المجتمع الدولي أو البعثة الأممية، قد تضطر الأطراف للجلوس إلى طاولة المفاوضات.
• البحث عن "شخصية ثالثة" مقبولة من الجميع لتولي رئاسة الجهاز.
• وهو ما يتطلب تنازلات مؤلمة من كافة الأطراف، وهو أمر يبدو صعب المنال في ظل المناخ السياسي المحتقن.
تبقى أزمة جهاز المخابرات الليبية خير دليل على أن توحيد المؤسسات السيادية في ليبيا لا يزال حلماً بعيد المنال، وأن الصراع على السلطة والنفوذ يتفوق على أي اعتبار للمصلحة الوطنية العليا والأمن القومي للبلاد.
إن استمرار هذا الشلل في مؤسسة أمنية حساسة مثل المخابرات يمثل انتحاراً سياسياً وأمنياً جماعياً، ويهدد بتقويض كل ما تحقق من استقرار نسبي في الفترة الماضية.
أخبار ذات صلة
اخبار
المبادرة الأمريكية والمسار الليبي المعقد بين تقاسم السلطة والأزمة المعيشية
2026-07-28
اقرأ المزيد