مأزق "الأمر الواقع".. المنفي يضع الدبيبة أمام اختبار الشرعية ويفتح باب المناورة المؤسسية
لم تكد العاصمة الليبية تستوعب سلسلة التباينات المكتومة بين أركان السلطة التنفيذية المنبثقة عن مسار جنيف، حتى فجرت تصريحات وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية، وليد اللافي، مواجهة علنية غير مسبوقة بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
هذه المواجهة تجاوزت السجال اللفظي المعتاد، لتلامس جوهر الشرعية التي استندت إليها المنظومة الحاكمة في طرابلس منذ مطلع عام 2021.
وجاء التصدع هذه المرة من داخل البيت التنفيذي ذاته حين أقر اللافي، عبر شاشة التلفزة، بأن ما تشهده ليبيا اليوم هو وجود "سلطة أمر واقع في الشرق والغرب"، معتبراً أن حكومته فرضت نفسها عبر التحالفات وخلق أرضية سياسية في المنطقة الغربية.
هذا التوصيف، وإن بدا في ظاهره قراءة واقعية لتوازن القوى الميداني، فإنه يحمل في مضمونه نسفاً للأساس الدستوري والسياسي الذي قامت عليه الحكومة، واعترافاً صريحاً بتآكل ولايتها القانونية المستمدة من اتفاق جنيف، وهو ما التقطه المنفي سريعاً ليصيغ منه هجوماً سياسياً حاداً.
تفكيك الخطاب.. تفويض جنيف في مواجهة منطق الغلبة
في قراءة ما بين سطور منشورات المنفي عبر منصة "إكس"، يبرز تحول جوهري في لغة المجلس الرئاسي؛ فالرجل لم يتعامل مع تصريحات اللافي كزلة لسان أو وجهة نظر إعلامية، بل اعتبرها "إقراراً رسمياً" بفقدان الشرعية، ما يفرض على الدبيبة تحديد موقفه دون مواربة: إما التبرؤ من تصريحات وزيره المقرب، أو تبني التوصيف وتحمل تبعاته.
يستند المنفي في مناورته إلى مبدأ تلازم الشقين في السلطة التنفيذية الموحدة (الرئاسي والحكومة).
ومن هنا، فإن محاولة اختزال السلطة أو الانقلاب على المرجعية السياسية بدعوى القوة والنفوذ، تُعد في نظر الرئاسي انتقالاً خطيراً من إدارة الدولة بالوفاق إلى إدارتها بمنطق "التغلب وفرض الأمر الواقع".
ويعكس هذا التحذير قلقاً عميقاً لدى المجلس الرئاسي من أن يتحول دوره إلى واجهة شرفية في ظل تغول الحكومة واستنادها إلى شبكات مصالح وتحالفات أمنية ومالية في الغرب الليبي.
دلالات التلويح بـ "الخيارات المفتوحة"
يعد تلويح المنفي بإبقاء "جميع الخيارات الوطنية والمؤسسية مفتوحة"، وإشارته إلى أن "الأمانة لا تترك للفراغ"، المؤشر الأبرز على نية المجلس الرئاسي التحرك خارج دائرة الانتظار. سياسياً، يمتلك المنفي عدة أوراق للضغط بدءاً من إحالة الملف إلى القوى الوطنية والفاعلين الإقليميين والدوليين، مروراً بسحب الغطاء السياسي والشرعي المتبقي عن حكومة الوحدة، ووصولاً إلى إمكانية إصدار مراسيم رئاسية تعيد ترتيب المشهد التنفيذي أو تفرض حالة طوارئ سياسية، بالتعاون مع أطراف داخلية تبحث عن نقطة ارتكاز جديدة.
هذا التصعيد يأتي في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، حيث تسعى البعثة الأممية لإعادة إحياء العملية السياسية وكسر الجمود المستمر منذ تعثر انتخابات ديسمبر 2021. ومن شأن اهتزاز شرعية الدبيبة من داخل طرابلس أن يمنح خصومه، لاسيما في الشرق الليبي برئاسة أسامة حماد والبرلمان، ورقة رابحة لتعزيز مطالبتهم بإسقاط الحكومة وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة وموحدة تقود البلاد نحو صناديق الاقتراع.
مأزق الدبيبة.. كلفة الصمت وكلفة الرد
يجد رئيس حكومة الوحدة الوطنية نفسه اليوم محاصراً بين خيارين كلاهما مرّ فالصمت حيال مطالبة المنفي سيُفسَّر على أنه قبول ضمني بنظرية "الأمر الواقع" والتخلي عن الاتفاق السياسي، مما يجرده من أي سند تفاوضي أمام المجتمع الدولي ويعمّق عزلته السياسية.
في المقابل، فإن التراجع أو التبرؤ من تصريحات اللافي سيمثل ضربة للمنظومة الإعلامية والسياسية التي أدارت دفة الحكومة ورسمت تحالفاتها طيلة السنوات الماضية.
يكشف هذا المشهد المتأزم أن الصراع في ليبيا لم يعد منحصراً بين معسكري الشرق والغرب فقط، بل انتقل إلى صلب التحالفات الحاكمة في طرابلس فبينما يرى تيار داخل الحكومة أن الاستمرار في الحكم لم يعد بحاجة إلى مظلة أممية بعدما حلت محله موازين القوى المحلية، يتمسك المجلس الرئاسي بمرجعيته الدولية كحبل نجاة أخير يحميه من الابتلاع، مما ينبئ بأن المعادلة السياسية في الغرب الليبي مقبلة على إعادة تموضع قد تطيح بالتوازنات الهشة القائمة.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد