بين التبجح بتسليم الليبي والإنكار أمام الأجنبي: ازدواجية الدبيبة في قضية محمود فتحي
بين الروايات المتضاربة وصمت الكواليس في العاصمة الليبية طرابلس، تطفو قضية تسليم القيادي الإسلامي المصري محمود فتحي وزوجته إلى القاهرة كواحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل السياسي والأمني، ليس فقط لغموض تفاصيل العملية، بل لما كشفته من ارتباك وتناقض صارخ في سلوك حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
تعود خيوط القصة إلى شهادات قاطعة أدلى بها نجلا فتحي، نور الدين وحبيبة، اللذان أكدا أن والدهما وزوجته اعتُقلا داخل طرابلس ونُقلا مباشرة على متن طائرة خاصة حطت بهما في مصر.
لم يكن فتحي قيادياً إخوانياً بالمعنى التقليدي، بل برز كأحد مؤسسي حزب الفضيلة السلفي، وارتبط اسمه بحركة حازمون المناصرة لحازم صلاح أبو إسماعيل، قبل أن يؤسس تيار الأمة وهو ما يجعل وجوده في ليبيا محاطاً بأسئلة شائكة لم تجب عنها طرابلس: كيف دخل البلاد؟ ومن منحه تأشيرة العبور والإقامة؟ ولماذا اختار رقعة جغرافية رخوة أمنياً ومحاذية للحدود المصرية بدلاً من اللجوء إلى عواصم أوروبية أكثر أمناً وضماناً للملاحقين سياسياً؟
سارعت حكومة الدبيبة إلى نفي الواقعة والتنصل من أي مسؤولية، لكن هذا النفي فتح الباب واسعاً أمام قراءة التناقض السياسي الفج في إدارة الأزمات.
إن ملاحقة المطلوبين الأجانب وتسليمهم وفق مذكرات رسمية أو تفاهمات أمنية بين الدول إجراء سيادي معتاد عالمياً تتبناه الحكومات وتتحمل نتائجه، غير أن حكومة الدبيبة اختارت الإنكار المريب والتستر خلف المجهول، خشية الصدام مع المجموعات المسلحة والتيارات العقائدية النافذة في الغرب الليبي، والتي قد ترى في تسليم فتحي تنازلاً غير مقبول للقاهرة.
المفارقة الأكثر فجاجة تكمن في المقارنة بين هذا الموقف وموقف الحكومة السابق في ملف المواطن الليبي أبو عجيلة مسعود المريمي؛ فعندما سُلم المريمي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، خرج الدبيبة على شاشات التلفزيون بملء فيه ليدافع عن القرار ويبرره كإجراء قانوني حتمي يخدم المصلحة الوطنية، محاولاً تصوير تسليم مواطن ليبي كخطوة جريئة، بينما انقلبت الجرأة إلى صمت وتبرؤ وإنكار مذعور عندما تعلق الأمر بمواطن أجنبي مطلوب في بلده.
إن هذا السلوك المزدوج يختصر نهجاً سياسياً يتعامل مع السيادة والقرارات الأمنية بمنطق الصفقات الخلفية وتجنب ردود أفعال الميليشيات المحلية، لتتحول الشجاعة أمام الليبيين إلى ارتعاد وإنكار أمام الحسابات الضيقة داخل أروقة طرابلس.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد