أطباق فارغة في بلاد النفط.. حين ينهك الغلاء أجساد أطفال ليبيا

2026-08-11 إدارة الأخبار
أطباق فارغة في بلاد النفط.. حين ينهك الغلاء أجساد أطفال ليبيا
في بلد يختزن في بطن أرضه أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا، تبدو المفارقة موجعة وثقيلة الوطأة داخل البيوت؛ إذ لم تعد المعركة اليومية للأسر الليبية تدور حول رفاهية العيش أو التخطيط للمستقبل، بل انحصرت في تفاصيل أكثر بدائية وقسوة: ماذا يوضع على مائدة الطعام اليوم؟ خلف الأرقام الصامتة التي تصدر عن الجهات الرسمية، تتوارى حكايات أسرٍ تجد نفسها كل صباح أمام معادلة رياضية مستحيلة، طرفاها دخلٌ يتآكل بسرعة واستحقاقات معيشية لا ترحم. ولعل النظر القريب في النتائج الأخيرة للمسح الحكومي الصادر عن مصلحة الإحصاء والتعداد في طرابلس يكشف عن عمق الأزمة وخطورتها الممتدة؛ فنصف الأطفال تقريباً يعيشون تحت وطأة فقر غذائي صريح، بينما لا يحصل سوى أقل من ثلثهم على الحد الأدنى من الوجبات التي تضمن لنموهم سياقاً طبيعياً. ولا تقف القراءة عند حدود الحرمان الكلي، بل تتعداها إلى جودة ما يدخل أجساد هؤلاء الصغار؛ إذ إن غياب البروتينات الأساسية كالبيض واللحوم عن أطباق نحو أربعين في المائة من الأطفال بين عامين وستة أعوام في يوم الاستطلاع، يشير بوضوح إلى أن الأزمة تخطت مرحلة الجوع العابر إلى مرحلة النخر المباشر في البنية الصحية والجسدية لجيل كامل. إن القراءة المتمحصة لهذه المؤشرات تفرض الخروج من نطاق التوصيف السطحي للأرقام ونقل التحليل إلى ما بين السطور؛ فالأزمة الراهنة ليست وليدة لحظة عابرة، بل هي نتاج تراكمي مشوه تمتد جذوره إلى عقود سبقت تحولات عام 2011. في ذلك الوقت، كان النمط الاقتصادي القائم يفرض مرتبات محدودة وسلة غذائية موحدة تعتمد كثيفاً على النشويات والدهون الرخيصة، مما أسس لنمط استهلاكي هش. وما إن دخلت البلاد في دوامة الانقسام السياسي والأزمات الأمنية وتآكل القوة الشرائية للدينار، حتى انهارت شبكة الأمان المعيشية الضعيفة أصلاً، لتتحول المشكلة من مجرد نمط غذائي غير متوازن إلى فجوة اقتصادية حادة تعجز معها غالبية العائلات عن تدبر قوت يومها. وهنا تبرز الفجوة الهيكلية الحاكمة للمشهد المعيشي، إذ تشير تقييمات "منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية" إلى أن الأسرة الليبية باتت بحاجة إلى ما لا يقل عن خمسة آلاف دينار شهرياً لتغطية الاحتياجات الأساسية، في وقت يتوقف فيه متوسط الدخل الفعلي عند حدود ألف وخمسمائة دينار فقط. هذه الفجوة الهائلة، التي تتسع مع كل موجة تضخم جديدة تنعكس في نشرات مصرف ليبيا المركزي وتحذيرات المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي، تعني عملياً أن المواطن يجبر يومياً على اقتطاع أجزاء حيوية من سلة غذائه ومستلزمات أطفاله لسداد رمق الحياة الأساسي. ولعل الأخطر في هذه المعادلة هو ما يحدث خلف أبواب المدارس والأحياء الشعبية، حيث تعيد الضغوط الاقتصادية صياغة يوميات الأطفال ووجدانهم. إن حرمان بعض الأطفال من المشاركة في الأنشطة المدرسية أو حصص التربية الرياضية لعدم قدرة أسرهم على توفير مستلزماتها، يكشف أن الفقر الغذائي ليس مجرد عجز في السعرات الحرارية، بل هو ديناميكية هدم تتسلل إلى صحة الطفل النفسية، وتضعف قدرته على التعلم، وتعيق اندماجه الاجتماعي المستقبلي، مما يهدد بنشوء جيل محمل بأعباء بدنية ونفسية تصعب معالجتها لاحقاً. وفي المقابل، فإن طرح قضية "العادات الغذائية" و"ثقافة التغذية" كسبب للأزمة يحمل في طياته قراءة مبتسرة؛ فعلى الرغم من أهمية التوعية بالنظم الغذائية السليمة وتوفر التنوع في الأسواق، إلا أن وضع اللوم على الخيارات الفردية للأسرة يغفل حقيقة أن التنوع الغذائي المرتكز على البروتينات والعناصر الطازجة أصبح خياراً النخب الفارهة. إن الأسرة التي تحاول الصمود بثلث الدخل المطلوب لا تملك رفاهية الاختيار بين أطعمة غنية وأخرى فقيرة، بل تسعى فقط لمنح أطفالها ما يسد الرمق بأقل تكلفة ممكنة، ولو كان ذلك على حساب قيمته الغذائية. إن ما تعيشه ليبيا اليوم، عبر مؤشرات الفقر الغذائي المتصاعدة وتحذيرات منظمة "فاو" واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي، يضع المجتمع ومؤسساته أمام لحظة فارقة؛ فالقضية لم تعد مجرد تراجع في المؤشرات الاقتصادية أو أرقام مجردة في تقارير دورية، بل هي قضية استثمار في رأس المال البشري الأهم للبلاد. وإن استمرار التعامل مع هذه المعاناة بصفتها نتاجاً جانبياً للازمة السياسية، دون حلول اقتصادية واجتماعية جذرية تعيد للدينار قيمته وللأسر كرامتها المعيشية، يعني ببساطة رهن مستقبل البلاد الصحي والعقلي، ودفن إمكانيات أجيالها القادمة قبل أن تبدأ.

أخبار ذات صلة

من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي

2026-09-11

اقرأ المزيد
مخاض في طرابلس: اتفاق "4+4" في مواجهة عاصفة الرفض وإسقاط العضوية
اخبار
مخاض في طرابلس: اتفاق "4+4" في مواجهة عاصفة الرفض وإسقاط العضوية

2026-09-08

اقرأ المزيد
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات

2026-09-05

اقرأ المزيد
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات

2026-09-05

اقرأ المزيد