اقتصاد الأزمة أو الانهيار: لماذا تفشل وصفات صندوق النقد في إنقاذ ليبيا؟
يواجه الاقتصاد الليبي انسداداً هيكلياً تتجاوز جذوره مجرد التعثر الإجرائي لمصرف ليبيا المركزي في إدارة ملفات النقد الأجنبي والسيولة والدفع الإلكتروني.
إن السياسات الحالية، برغم محاولات احتوائها للموقف، تكرس حالة عدم الاستقرار النقدي؛ إذ يظل التضخيم المستمر للكتلة النقدية، إلى جانب الارتهان المطلق للريع النفطي الذي يشكل نحو 95% من الدخل المحلي الإجمالي، رهينة لتقلبات أسعار الخام والقرارات السياسية للدول الكبرى.
وبحكم كونها دولة غير تصنيعية تعتمد كلياً على استيراد السلع الأساسية، تقف ليبيا منكشوفة أمام الصدمات الخارجية، ينضاف إلى ذلك الضغط الناجم عن النمو السكاني والاستهلاك المحلي، في ظل ضعف الرقابة على الحدود وإسناد ملف الهجرة لمؤسسات دولية تترصد مصالحها الخاصة.
تكمن معضلة السلطات النقدية في الانقياد لتوصيات صندوق النقد الدولي وإسقاط وصفات جاهزة صُممت لاقتصادات مستقرة على بيئة استثنائية شديدة الاضطراب فالانتقال نحو اقتصاد متنوع ينشط فيه القطاعان الخاص والعام لن يتحقق قبل إنهاء حالة الانقسام السياسي، ووقف التدخلات الخارجية، وضبط السلاح، وتوحيد السلطة التنفيذية.
بناءً عليه، فإن الحديث عن برامج تنموية أو فتح باب الخصخصة والإعفاءات الضريبية في الوقت الراهن يعد هجوعاً إلى الأوهام ومدخلاً لتبديد الموارد، إذ لا يمكن إدارة المرحلة إلا بأدوات "اقتصاد الأزمة".
وقد ألقى هذا التشظي المؤسسي بظلاله المباشرة على المعيشة اليومية للشارع الليبي؛ حيث تراجعت الخدمات الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء، وتعمقت الفجوة الطبقية بين القائمين على صناعة القرار في الأجسام التشريعية والتنفيذية وبين القواعد الشعبية التي تصارع لتأمين حد الكفاف.
ولعل المؤشرات الصحية المتراجعة وظواهر سوء التغذية باتت الدليل الأبرز على حجم الأزمة المعيشية، في وقت تعادل فيه المرتبات السنوية لبعض كبار المسؤولين رؤوس أموال قادرة على تأسيس مشاريع خاصة للمواطنين.
إن التعافي الاقتصادي المشروط بامتلاك سيادة القرار يستوجب حزمة إجراءات حاسمة تبدأ بمكافحة الفساد، وسن قانون "من أين لك هذا؟"، ووقف التفريط في أصول الدولة تحت مسمى التنمية أو الخصخصة.
إن تحويل النفط من مجرد مادة خام تباع لتغطية النفقات إلى قاعدة للإنتاج والتنوع هو المسار الوحيد لاستعادة الدولة لقرارها واختيار نموذجها التنموي المستقل.
أخبار ذات صلة
اخبار
من المتاريس إلى غرف العمليات: مسىار سرت ومأسسة التوحيد النوعي للجيش الليبي
2026-09-11
اقرأ المزيد
اخبار
خيوط واشنطن في الميدان الليبي: دبلوماسية الهاتف والمناورة على حافة التوازنات
2026-09-05
اقرأ المزيد
اخبار
وراء الستار الدبلوماسي: محادثات استخباراتية في أثينا وليبيا على طاولة التفاهمات
2026-09-05
اقرأ المزيد